عليه وسلم بذلك أن يحقق نصرا سياسيا بعد نكسة أحد ويشعر العالم بأن المسلمين لا يزالون قوة ضاربة وأن معنويات المسلمين لا تزال مرتفعة ولكن هذه المناورة لم تكن مغامرة غير محسوبة العواقب, فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم ما تعاني منه قواته من تعب وألم وجراح .. لذلك قام بحركة سياسية محسوبة .. فدفع رجلا من خزاعة هو أبو معبد الخزاعي وكان مشركا - وكانت خزاعة قلوبها مع الرسول صلى الله عليه وسلم بمسلمها ومشركها- للقيام بمهمة وهي تخذيل المشركين وثنيهم عن مهاجمة المسلمين, فخرج معبد حتى لقي أبا سفيان وجيشه وقد أجمعوا على استئصال شأفة المسلمين, فقال لهم معبد: محمد خرج في أصحابه في جمع لم أر مثله يتحرقون عليكم تحرقا, وقد اجتمع له من تخلف عنه في يومكم, ثم أنشد شعرا يصف فيه حال جيش المسلمين وقوتهم, فثنى ذلك أبا سفيان وجيشه عن عزمه وعادوا إلى مكة, ولكن أبا سفيان قبل أن يرحل أوعز إلى إحدى القوافل التجارية المتجهة إلى المدينة أن تشيع أن جيش قريش يجمع جموعه ليهاجم المسلمين, ففعلوا, ولما وصل الخبر إلى الرسول صلى الله عليه وسلم قال: حسبنا الله ونعم الوكيل, وقبل المسلمون التحدي .. وبقي الجيش الإسلامي معسكرا في حمراء الأسد ثلاثة أيام, يسمع بهم العرب ويرون نيرانهم حتى اطمأن الرسول إلى زوال الخطر ثم رجع إلى المدينة.
5.جرائم الحرب
قام المشركون – بدافع الحقد- بارتكاب أعمال وحشية في جثث المسلمين يتنزه عنها الإنسان السوي فمثلوا بالجثث وشوهوها وبقروا البطون وضربوا الوجوه, وحتى النسوة أخذن يجدعن الأنوف والآذان ويصنعن منها القلائد والخلاخيل, وقد أثارت هذه الأعمال اشمئزاز بعض من كانوا معهم فاستنكروا عليهم الأمر, وهذا ما دفع أبو سفيان في النهاية إلى أن يعلن عدم مسئوليته عن هذه الأعمال رغم مشاركته شخصيا بذلك.
وكان منظر الجثث مريعا اغتاظ منه النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون وقال الرسول صلى الله عليه وسلم لما وقف أمام جثة حمزة: ما وقفت موقفا أغيظ إلي من هذا, لن أصاب بمثلك أبدا. وقال المسلمون: والله لئن أظفرنا الله بهم يوما لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب. فنزل قوله تعالى (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به, ولئن صبرتم فهو خير للصابرين) (النحل الآية: 126) فعفا رسول الله صلى الله عليه وسلم وصبر ونهى عن المثلة.
6.الرسول صلى الله عليه وسلم يقود المعركة
تجلت قيادة الرسول صلى الله عليه وسلم في أحد .. أولا بمعرفته لما يدبر له عدوه واتخاذه الخطط المضادة, ثم بفرضه ميدان المعركة الذي يناسبه, ثم بتوزيعه لقواته بشكل لا يترك للعدو ثغرة .. وبإعطائه تعليمات واضحة ومباشرة, وعندما حلت الهزيمة كان رابط الجأش واثقا من نفسه واستطاع بصموده أن ينقذ الجيش من هلاك محقق وأن يحسن اتخاذ القرار وينسحب انسحابا منظما إلى بطن الجبل .. ورغم حدوث المباغتة والفوضى في جيش المسلمين إلا أن نسبة الخسائر لم تتجاوز 10% وهذا يعتبر معجزة في العرف العسكري بالنسبة لجيش مطوق لا أسهل من إبادته,