ولقد فشل هذا التخطيط فعندما التقى الجمعان عرض أبو سفيان على الأوس والخزرج أن يتخلوا عن رسول الله وعن المهاجرين حتى ينصرف هو ورجاله عنهم, فقال لهم: يا معشر الأوس والخزرج خلوا بيننا وبين بني عمنا وننصرف عنكم, ولكن الأنصار رفضوا دعوته وأبوا أن يتخلوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المهاجرين فهم مسلمون أولا ورابطة الإسلام هي الأولى, كما أنهم أصحاب بيعة العقبة.
ثم قام أبو عامر الفاسق وهو الاسم الذي أطلقه عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وكان قبل ذلك يسمى الراهب ونادى قومه من الأوس - وكان قبل الهجرة كبيرا في قومه- فقال: يا معشر الأوس أنا أبو عامر, وكان يأمل في أن يخرجوا من صفوف المسلمين وينضموا إليه حين يعرفون أنه في صفوف قريش, فقالوا له: ولا أنعم الله بك عينا يا فاسق, فلما سمع قولهم قال: لقد أصاب قومي بعدي شر.
تصفية القيادة
وقد تعاقد أربعة من قريش على قتل الرسول صلى الله عليه وسلم وهم عبد الله بن شهاب وعتبة بن أبي وقاص وعمرو بن قمئة وأبي بن خلف, وقد استطاعوا الوصول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإصابته إصابات بليغة, ولكن قريشا فشلت في خطتها هذه فرغم إصابة الرسول صلى الله عليه وسلم ظل يؤدي دوره كقائد للمعركة وكمحارب مع جيشه.
ولقد نجح وحشي في قتل حمزة, وفي ذلك يقول وحشي إني لأنظر إلى حمزة يهد الناس بسيفه هدا, ما يقوم له شيء فوالله إني لأتهيأ له أريده وأتستر منه بشجرة أو بحجر ليدنو مني, إذ تقدمني إليه سباع بن عبد العزى, فلما رآه حمزة ضربه ضربة كأنما اختطف رأسه, فهززت حربتي حتى إذا رضيت عنها دفعتها عليه, فوقعت في ثنته (5) حتى خرجت من بين رجليه, فأقبل نحوي, فغلب فوقع, فأمهلته حتى إذا مات, جئته فأخذت حربتي, ثم تنحيت إلى المعسكر ولم يكن لي في شيء حاجة غيره, فقد ذهب وحشي للاغتيال لا للقتال (6).
2.خطة الرسول صلى الله عليه وسلم:
طبق الرسول صلى الله عليه وسلم في أحد مبدأ عسكريا وهو الاقتصاد في القوة وهو يقوم على أساس استحالة الضرب بنفس القوة في كل مكان, وعلى أساس عدم توريط جميع الجيش أو معظمه في الدفاع, بل إمساك الجبهات الثانوية بقوات للتغطية يجري تعيين مقاديرها بالحد الأدنى الضروري, ولا يبالغ في تقدير أعدادها على حساب قوات الالتحام التي تركز هجومها على محاور معينة.
فاختار الرسول صلى الله عليه وسلم خمسين من الرماة ووضعهم على تل مقابل لجبل أحد وولى أمرهم عبد الله بن جبير, وكان معلما يومها بثياب بيض, وأمرهم أن يحتلوا الموقع ويحموا ظهور المسلمين, وألا يمكنوا العدو من اقتحام الموقع, وأن يرموا الخيل بالنبل وألا يبرحوا مكانهم في حالة النصر أو الهزيمة إلا بتعليمات صريحة من القائد, وقال لهم وكأنه يتوقع ما سيحدث: إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا من مكانكم هذا حتى أرسل لكم, وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم وهم قتلى فلا تبرحوا مكانكم.