الله أن لا تخذلوا قومكم ونبيّكم عندما حضر عدوّهم "، فردّوا عليه: " لو نعلم أنكم تقاتلون لما أسْلمناكم، ولكنّا لا نرى أن يكون قتالٌ "، وسجل القرآن هذه الأحداث في قوله تعالى: ﴿وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين، وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون﴾ (آل عمران: 166 - 167).
وكاد هذا الموقف أن يؤثر على المؤمنين من بني سلمة وبني حارثة فيتبعوهم، ولكن الله عصمهم بإيمانهم، وأنزل فيهم قوله: ﴿إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليّهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾ (آل عمران: 122).
وفي يوم السبت وصل الجيش إلى جبل أحد وعسكر هناك، واختار النبي - صلى الله عليه وسلم - أرض المعركة، وقام بتقسيم أفراد الجيش إلى ثلاث كتائب: كتيبة المهاجرين بقيادة مصعب بن عمير رضي الله عنه، وكتيبة الأوس بقيادة أُسيد بن حضير رضي الله عنه، وكتيبة الخزرج يحمل لواءها الحُباب بن المنذر رضي الله عنه، وردّ النبي - صلى الله عليه وسلم - صغار السنّ ومنعهم من المشاركة، وبلغوا أربعة عشر غلاماً كما يذكر علماء السيرة، ولم يستثن من الصغار سوى رافع بن خديج رضي الله عنه لبراعته في الرمي، و سمرة بن جندب رضي الله عنه لقوّته الجسديّة.
ثم عرج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أصحابه فانتخب منهم خمسين رامياً، وأمّر عليهم عبدالله بن جُبير رضي الله، وجعلهم على جبل يُقال له " عينيْن " يقابل جبل أحد، وقال لهم: (إن رأيتمونا تخْطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا هَزَمْنا القوم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم، وانضحوا عنا بالنبل لا يأتونا من خلفنا، إنا لن نزال غالبين ما ثبتم مكانكم)، ثم تقدّم النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الصفوف فسوّاها، ووضع أشدّاء المؤمنين في مقدّمتهم، وقال: (لا يُقاتلنّ أحدٌ حتى نأمره بالقتال)
وفي هذه الأثناء حاول أبو سفيان أن يُحدث شرخاً في صفوف المؤمنين، فعمد إلى الأنصار قائلا: " خلّوا بيننا وبين ابن عمّنا؛ فننصرف عنكم، ولا حاجة لنا بقتالكم "، فقبّحوا كلامه وردّوا عليه بما يكره، فجاء رجلُ يُقال له " أبو عامر الراهب " من أهل المدينة، فأراد أن يثنيهم عن حرب قريش فقال: " يا معشر الأوس، أنا أبو عامر " فقالوا له: " فلا أنعم الله بك عيناً يا فاسق "، فلما سمعهم قال: " لقد أصاب قومي بعدي شرٌّ ".
وبدأت المعركة بمبارزة فريدة تبعها التحام بين الصفوف، واشتدّ القتال، وحمي الوطيس، وكان شعار المسلمين يومئذٍ: أمِتْ أمِتْ، وأخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - سيفاً له وقال: (من يأخذ هذا السيف؟) فبسطوا أيديهم يريدون أخذه، فقال: (من يأخذه بحقه؟)، فأحجم القوم، فقال أبو دجانة رضي الله عنه أنا آخذه يا رسول الله بحقه، فما حقه؟، فقال له: (أن لا تقتل به مسلماً، ولا تفرّ به عن كافر)، فدفعه إليه، فربط على عينيه بعصابة حمراء ويجعل يمشي بين الصفين مختالاً في مشيته، قائلاً: