تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهنا أحسّ العباس بن عبدالمطّلب بخطورة الموقف – وكان يومئذٍ مشركاً – فبعث برسالة عاجلةٍ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخبره فيها بخبر القوم، ويبيّن له إمكانات الجيش وقدراته الحربية، لكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أراد الاستيثاق مما ورد في هذه الرسالة، فأرسل الحُباب بن المنذر بن جموح رضي الله عنه ليستطلع الخبر، فعاد إليه مؤكّدا ما ورد في الرسالة.

واجتمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأصحابه، وشاورهم في الخروج من المدينة للقاء العدو، أو البقاء فيها والتحصّن بداخلها، فاختار بعضهم البقاء في المدينة، ومال النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى هذا الرأي، بناءً على أن جموع قريش لن تقوى على القتال بين الأزقة والطرقات، ويمكن للنساء والأبناء المشاركة في الدفاع عن المدينة من شرفات البيوت وأسطحها، كما أنّ التحصّن فيها سيتيح فرصة استخدام أسلحةٍ لها أثرها في صفوف العدوّ كالحجارة ونحوها.

بينما اختار الخروجَ إلى العدوّ الرجالُ المتحمّسون الذين حرموا من شهود يوم بدر، وتاقت نفوسهم إلى الجهاد في سبيل الله، وطمعوا في نيل الشهادة، فألحّوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يخرج لقتالهم، وقالوا له: " يا رسول الله، كنّا نتمنّى هذا اليوم وندعو الله، فقد ساقه إلينا وقرب المسير، اخرج بنا إلى أعدائنا، لا يرون أنا جبنّا عن لقائهم "، وأمام هذا الإلحاح لم يجد النبي - صلى الله عليه وسلم - بُدّاً من اختيار هذا الرأي، فدخل بيته ولبس عدّة الحرب.

ولما أفاقوا من نشوة حماسهم بدا لهم أنهم أكرهوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أمر لم يرده، وشعروا بحرج بالغ، فتلاوموا فيما بينهم، وأرسلوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حمزة بن عبدالمطلب ليعتذر عن ذلك فقال: " يا نبي الله، إن القوم تلاوموا وقالوا: أَمْرُنا لأمرك تبع "، لكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى أن من الحزم المضيّ قدماً في اختياره، فقال: (إنه لا ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله).

وفي ليلة الجمعة تأهّب الناس للخروج، واستعدّوا للقتال، وعيّن النبي - صلى الله عليه وسلم - من يقوم بحراسة المدينة، ثم تحرّك الجيش المكوّن من ألف رجل وسلكوا طريقاً مختصراً تمرّ بأرض رجل منافقٍ ضريرٍ يقال له "ربعيّ بن قيظيّ " – وفي رواية " مربع بن قيظيّ "، فلما أحسّ الرجل بالجيش جعل يحثو التراب في وجوههم ويقول: " لا أحلّ لكم أن تدخلوا حائطي "، وذُكر أنه أخذ حفنةً من ترابٍ ثم قال: " والله لو أعلم أني لا أصيب بها غيرك يا محمد لضربتُ بها وجهك "، فتواثب القوم إليه ليقتلوه لكن النبي - صلى الله عليه وسلم - نَهَرهم وقال: (لا تقتلوه؛ فهذا أعمى القلب أعمى البصر).

واستمرّ الجيش في مسيره حتى بلغوا بستاناً يُقال له " الشّوط "، عندها انسحب عبدالله بن أبي بن سلول بحركة ماكرة ومعه ثلث الجيش يريد أن يوهن من عزائم المسلمين ويفتّ في عضدهم، ويوقع الفرقة في صفوفهم، مبرّراً ذلك حيناً باستبعاده أن يحدث قتالٌ، وحيناً باعتراضه على قرار القتال خارج المدينة، وقائلاً: " أطاعَ الولدانَ ومن لا رأي له، أطاعهم وعصاني، علام نقتل أنفسنا؟ "، ولقد حاول عبدالله بن حرام رضي الله عنه أن يثنيهم عن عزمهم، وقال لهم: " يا قوم، أذكّركم

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ١٨٧٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ١٨٧٦