أنا الذي عاهدني خليلي ونحن بالسفح لدى النخيل
ألا أقوم الدهر في الكيول أضرب بسيف الله والرسول
فنظر إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: (إنها مشية يبغضها الله إلا في هذا الموضع)، يقول رواة السيرة: " فأخذ السيف فجعل يقتل به المشركين حتى انحنى ".
وبدأت ملامح النصر تظهر من خلال المواقف البطوليّة التي أظهرها المسلمون واستبسالهم في القتال، ومع تقهقر قريش وفرارهم أوّل الأمر ظنّ الرماة انتهاء المعركة، ورأوا ما خلّفته من غنائم كثيرة فتحركت نفوسهم طمعاً في نيل نصيبهم منها، فتنادوا قائلين: " الغنيمةَ أيها القوم، الغنيمةَ، ظهر أصحابكم فما تنتظرون؟ "، فقال أميرهم عبد الله بن جبير: " أنسيتم ما قال لكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "، فلم يلتفتوا إليه وقالوا: " والله لنأتين الناس فلنصيبنّ من الغنيمة " فغادروا أماكنهم متجهين صوب الوادي.
ووجد خالد بن الوليد في ذلك فرصةً سانحة كي يدير دفّة المعركة لصالح المشركين، وبالفعل انطلق مع مجموعة من الفرسان ليلتفّوا حول المسلمين ويحيطوا بهم من كلا الطرفين، ففوجئ المسلمون بمحاصرتهم، واستحرّ القتل فيهم، وفرّ منهم من فرّ، وتساقط الكثير منهم جرحى، وفي هذه الأثناء انقطع الاتصال برسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وكان في المشركين رجلٌ يُقال له " ابن قمئة " عَمِدَ إلى مصعب بن عمير رضي الله عنه فأجهز عليه، وشبه مصعباً بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، فجعل الرجل يصيح: " قد قتلتُ محمداً "، وسرت هذه الإشاعة بين الناس سريعاً، فتفرّق المسلمون، وقعد بعضهم عن القتال وقد أذهلتهم المفاجأة، في حين استطاع الآخرون أن يثوبوا إلى رشدهم، ويطلبوا الموت على ما مات عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، منهم أنس بن النضر رضي الله عنه، والذي لقي الله وفي جسده بضعٌ وثمانون ما بين ضربة سيفٍ، أو طعنة رمح، أو رمية سهم، حتى إن أخته لم تتعرّف عليه إلا بعلامة كانت بإبهامه، وأنزل الله فيه وفي أمثاله: ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا﴾ (الأحزاب: 23).
وبينما كان المسلمون في محنتهم تلك، كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يواجه الموت، فقد خلُص إليه المشركون فكسروا أنفه وسِنّه، وشجّوا وجهه الشريف حتى سالت منه الدماء، فجعل يمسح الدم عنه ويقول: (كيف يفلح قوم شجّوا نبيّهم؟).
وأدرك النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الأمور لن تعود إلى نصابها إلا بكسر هذا الطوق المحكم الذي ضربه المشركون، فصعد إلى الجبل ومعه ثُلّة من خيرة أصحابه، واستبسلوا في الدفاع عنه، وخلّد التاريخ قتال أبي طلحة رضي الله عنه حتى شُلّت يمينه وأثخنته الجراح، ووقفة نسيبة بنت كعب رضي الله عنها وهي ترمي بالقوس تدافع عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وتصدّي سعد بن أبي وقّاص للذود عنه ورميه للمشركين بالنبال، وحماية أبي دجانة للنبي - صلى الله عليه وسلم - حيث جعل نفسه ترساً له عليه الصلاة والسلام حتى تكاثرت السهام على ظهره.