يناوله السهام ويقول: ارم سعد فداك أبي وأمي! ودافع أبو طلحة الأنصارى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان النبي يقول إعجاباً من قتاله: (لصوت أبي طلحة في الجيش أشد على الكافرين من فئة) وحمى أبو دجانة رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهره حتى كثر النبل فيه وقاتل مصعب بن عمير دون لواء المسلمين حتى قتل، وقاتل حمزة قتال الأبطال حتى رماه وحشي بحربته فقتله، وتأتى صفية لتشاهد أخاها حمزة وقد مثل به، فيأمر النبي صلى الله عليه وسلم ابنها الزبير أن يصرفها كيلا ترى ما بأخيها فتقول: ولم؟ وقد بلغني أنه قد مثل بأخي، وذلك في الله، فما أرضانا بما كان من ذلك، لأحتسبن ولأصبرن إن شاء الله!!
وقد كان منظر الشهداء السبعين فظيعاً يفتت الأكباد، فجمعهم النبي صلى الله عليه وسلم ليدفنهم وقال: (أنا شهيد على هؤلاء)، إنه ما من مجروح في سبيل الله، إلا ويبعثه الله يوم القيامة يدمى جرحه، اللون لون الدم والريح ريح المسك.
ولم يخسر من هؤلاء القتلى والجرحى ـ ممن قاتل يومئذ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ إلا رجل يسمى قزمان، قاتل قتال الأبطال، ورآه الصحابة يحصد المشركين، فأخبروا النبي صلى الله عليه وسلم بحسن بلائه في المعركة، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: هو في النار، فتعجب الصحابة من ذلك، فتتبع الناس بطولاته، حتى إذا أصابته جراحه احتملوه، وسألوه عن حسن بلائه، فقال: والله ما قاتلت إلا عن أحساب قومي! ولولا ذلك ما قاتلت! فلما اشتد به الجرح تحامل على السيف حتى قتل نفسه! وهكذا كل مقاتل في سبيل الوطنية أو القومية، وإن قاتل تحت لواء الإسلام، بل وفي جيش الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فمن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله، ومن قاتل لغير ذلك من الأهداف مهما سمت في نظر الناس، فليس بشهيد، فالله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً.
==============
غزوة أحد
(الشبكة الإسلامية)
لم تهدأ ثائرة قريش بعد هزيمتهم المنكرة في غزوة بدر، وما خلّفه ذلك من مقتل خيرة فرسانها، وجرحٍ لكرامتها، وزعزعة لمكانتها بين القبائل، فأجمعت أمرها على الانتقام لقتلاها، وألهب مشاعرها الرغبة الجامحة في القضاء على الإسلام وتقويض دولته.
ولم يكن ذلك الدافع الوحيد لاستعادة هيبتها، إذ كانت تجارة قريش قد تأثّرت بشدّة من الضربات المتكرّرة التي نفّذتها سرايا المؤمنين، وما قامت به من التعرّض للقوافل التجارية من أجل قطع الإمدادات والمؤن التي كانت تأتيهم من الشام وما حولها، فكان لذلك أثره في إنهاك قريش وإضعافها.
لهذا وذاك، قام أبو سفيان في قومه يؤلّب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويجمع القوّات، حتى بلغ لديه قرابة ثلاثة ألف رجل ومائتي فارس، من قريش وما حولها من القبائل العربية، ثم أمر أبو سفيان الجيش بأخذ النساء والعبيد، حتى يستميت الناس في الدفاع عن أعراضهم، وانطلقوا ميمّمين وجوههم شطر المدينة.