تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وللتاريخ صوراً بطولية لجماعات من الصحابة رضي الله عنهم يصعب أن تتكرر كحمزة رضي الله عنه والزبير وأبي دجانة وأنس بن النضر ومصعب بن عمير وعبد الله بن حرام وغيرهم كثير ممن وصفهم الله بقوله: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب:23]. وقد بذلت قريش أقصى جهدها لتحطيم عنفوان المسلمين، لكنها أحست بالعجز وانكسرت همتها أمام ثبات المسلمين وإقدامهم، كما لم تفلح محاولات نسوة قريش اللاتى جئن لاستنهاض الرجال وتحريضهم على القتال كيلا يفروا، ولم تفلح هذه المحاولات من ضرب الدفوف وإنشاد الأشعار وتحريك المشاعر، فما هو إلا أن لذن بالفرار خلف رجالهن وفرسانهن!!.

وفي لحظة ضعف بشرى عرضت لفريق الرماة الذي كان الدرع الواقي للجيش، في لحظة صورها الله بقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ [آل عمران:152]، وفي لحظة التفاتة إلى الدنيا ونسيان لطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، رأى الرماة الهزيمة حلت بالمشركين، ورأوا رجالهم يولون الأدبار، ونسائهم يهمن في الجبال، الغنائم تزحم الوادي، قال أكثر الرماة: ما لنا في الوقوف حاجة! الغنيمة الغنيمة، انتصر أصحابكم، فماذا تنتظرون! فذكرهم رئيسهم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن أكثرهم لم يلتفت إليه، وكانت الكارثة! حيث رأى خالد بن الوليد انكشاف مؤخرة المسلمين فاستدار بسرعة خاطفة مع بعض فرسان المشركين، وانقضوا على المسلمين من خلفهم، وعجز قائد الرماة والتسعة الباقون معه من أصحابه الخمسين أن يصدوا خالد ومن معه، ثم صاح خالد ومن معه بالمشركين الفارين، وأسرعت امرأة من المشركين برفع لواء المشركين الذي كان مطروحاً في التراب فالتف حوله المشركون ونادى بعضهم بعضا، وانقلبت الصورة وعظمت الفتنة، وفر كثير من المسلمين، والله يغفر لهم بفضله ومنه ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [آل عمران:155]، وثبت مع النبي صلى الله عليه وسلم نفر قليل من أصحابه كتبوا بدمائهم مواقف من نور، وأبلوا بلاء حسناً لانظير له، وقتل يومئذ سبعون من الصحابة رضي الله عنهم، وجرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي، وشج في رأسه، وكسرت أنيابه ودخلت حلقتا المغفر في وجنته الشريفة، حتى قال كيف يفلح قوم أدموا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى الإسلام، ثم لم يلبث أن قال: (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون!) وتنتهي الغزوة ويبقى الدرس ماثلاً أمام أعين التاريخ، درس عميق يتعلم منه المسلمون وجوب طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخطورة مخالفة أمره.

قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:63]، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفر، ولم تلن له قناة، ولم تزعزعه الأحداث كما هو شأنه بأبي هو وأمي في سائر المواقف الصعبة، وخلص بعض المشركين إليه يريد قتله، وكان في سبعة من الأنصار، ورجلين من المهاجرين، فقال: من يردهم عنا وهو رفيقي في الجنة؟ فقاتلوا عنه واحداً واحداً حتى استشهد الأنصار السبعة دفاعاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قاتل عنه طلحة حتى شلت يده بسهم أصابها، وقاتل سعد بين يديه، والنبي صلى الله عليه وسلم

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ١٨٧٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ١٨٧٤