والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً، إنا لصبر في الحرب، وصدق عند اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسرْ على بركة الله. فسُرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد ونشطه ذلك. ثم قال: سيروا وأبشروا، والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم، واقترح سعد بن معاذ أن يبني عريشاً للنبي صلى الله عليه وسلم يكون فيه بمأمن.
وبات رسول الله يجأر إلى الله بالدعاء ويقول: [اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها، تحادك وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني، اللهم أحنهم الغداه]، وظل يناشد ربه متضرعاً وخاشعاً وهو يبسط كفيه إلى السماء حتى أشفق عليه أبو بكر، فالتزمه من وراءه وقال له: يا رسول الله أبشر فوالذي نفسي بيده لينجزن الله لك ما وعدك، وأقبل المسلمون يستنصرون الله ويستغيثونه ويخلصون له في الضراعة.
وكانت بداية القتال بالمبارزة فخرج من صفوف المشركين ثلاثة نفر: عتبة بن ربيعة وأخوه شيبة، والوليد بن عتبة، فتصدى لهم من المسلمين على بن أبى طالب وحمزة بن عبد المطلب وعبيدة بن الحارث، وقتلوهم في لحظات يسيرة، فاستشاط الكفار غضباً للبداية السيئة التي صادفتهم، فأمطروا المسلمين وابلاً من سهامهم، ثم حمى الوسيط وتهادت السيوف وتصايح المسلمون أحد أحد، وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم حفنة من الحصباء فاستقبل بها قريشاً وقال شاهت الوجوه، ثم نفخهم بها فلم يبق فيهم رجل إلا امتلأت عيناه منها، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض، فقال عمير بن الحمام: بخ بخ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يحملك على قول بخ بخ؟ فقال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها! قال: فإنك من أهلها، فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهم ثم قال: لئن حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، فرمى بما كان معه من التمرات ثم قاتلهم حتى قتل!
وأيد الله يومئذ المسلمين بالملائكة يقاتلون إلى جانبهم، وقتل في هذه الموقعة سبعون من صناديد المشركين، منهم أبو جهل قائد المشركين، قتله غلامان من غلمان الأنصار حمية لله ورسوله، لمجرد أنهما سمعا أن عدو الله يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكونا يعرفانه حتى دلهما عليه عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه، وأسر يومئذ سبعون آخرون من المشركين. واستشهد من المسلمين ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار فقط.
ووقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على جثث المشركين وقد ألقيت في البئر، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم. يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان: أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا! فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ فقال عمر: يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح فيها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فوالذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم! ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة مظفرا منصورا. قد خافه كل عدو له بالمدينة وحولها. وظهرت قوة المسلمين، وارتفع شأنهم، وذاع صيتهم، وأصبحت هذه الثلة المباركة