روى ابن جرير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: لما أُخرج النبي -صلى الله عليه وسلم- من مكة؛ قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم؟! إنا لله وإنا إليه راجعون!! ليهلُكُن .. قال ابن عباس: فأنزل الله -عز وجل-: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) قال أبو بكر -رضي الله عنه-: فعرفت أنه سيكون قتال، وزاد أحمد: وهي أول آية نزلت في القتال.
تدبير الله
وواجهت بعض السرايا التي أخرجها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- التحامًا بالسلاح، وعاد غيرها دون أن يلقوا قتالاً، حتى كانت وقعة بدر: التي قدَّر المؤمنون الذي خرجوا إليها: أن يعودوا بعِير قريش، عوضًا عن أموالهم بمكة التي استحلتها قريش، وقدَّر الله تعالى أن تكون لقاء بين قلة مؤمنة -محدودة العتاد والعدة- وإيمانها يملأ الصدور عزة بالله، وكفرًا بالشيطان وحزبه، وبين الكثرة التي خرجت من مكة بطرًا ورئاء الناس، ويصدون عن سبيل الله: (وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ) نعم: لقاء يحق الله به الحق ويبطل الباطل، ليذهب نصر القلة المؤمنة على الكثرة الكافرة المزهوة بخيلائها؛ حيث خرجت بالقيان تضرب دفوفها ليسمع العرب، ويسقوا الخمر نشوة وكبرًا واستعلاء، فيذهب نصر القلة المؤمنة على الكثرة المستكبرة. في أنحاء الجزيرة يرجُّ آفاقها؛ إيذانا بزوال دولة الكفر والاستعلاء على الله الواحد الأحد، بالأنداد والأوثان، التي لم تغن عنهم شيئًا.
حروب وحروب
إن الحروب كانت تقوم -وما تزال حتى الآن إلا من عصم الله- دائمًا بين طائفتين؛ طائفة مستعلية مستكبرة، تزهوا بالعتاد والعدة والعدد؛ ومستضعفة لا تملك ما تملك الأولى، وعدوان المستعلين هدفه إذلال المستضعفين ومحو عزتهم بأنفسهم، يتخذونهم تبعًا وأداة يصطنعونها لحاجاتهم وحرثهم، ونماء أموالهم وملكهم، بطرًا واستكبارًا في الأرض.
وهذا ما كانت تفعله فارس والروم في آسيا وإفريقيا وأطراف من أوروبا، وهو نفس ما كانت تفعله قبائل العرب في الجاهلية بعضها مع بعض، فيعود المنتصر بالسبي والسلب، ويعود المهزوم بذلّ الحياة وعار الهزيمة والأمهات والبنات سبايا، يا له من ذل.
وربما قامت الحرب بين طائفتين مستعليتين كما قامت بين فارس والروم قديمًا وبين دول الغرب حديثًا، وهذا ما جاء الإسلام لتغييره، بإخراج العباد من استعباد العباد إلى عبادة رب العباد والاعتزاز بعزته: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ)، ولهذا كان تدبير الله تمهيدًا لما حدث في بدر أن يذلّ كفر الكافرين وكبرياءهم الجاهلي بعد إنكارهم للحق الأبلج بيد من كانوا في مكة بالأمس مستضعفين.
وعد الله
وبهذا بشّر الله رسوله -صلى الله عليه وسلم- إذ وعده وصحبه إحدى الطائفتين؛ العير التي جاءت من الشام تريد مكة، أو المناجزة والقتال ثم النصر.