لأن الله تعالى ناصر حزبه ومؤيد جنده (وَأَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ) ولن يدعهم للكثرة المشركة تتحكم بهم. فلن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا
أسباب المعركة
دولة الحق
وقامت دولة الحق بعدما نظم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مجتمع المدينة، فكتب الصحيفة التي ربطت بين عناصر مجتمع المدينة، من أنصار ومهاجرين وأهل كتاب؛ بني قينقاع والنضير وقريظة، واجتمع المسلمون للصلاة في مواقيتها لا يخافون إيذاء كما كان الحال في مكة، وأصبح المسجد مركز التجمع المدني، فيه يتلى الوحي المنزل، وتقام الجماعات يدعى إليه بنداء هو من أمر الله يجمع معالم الإسلام في كلماته، وفيه تعقد الألوية، وتستقبل الوفود وتقضى الأقضية ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- على رأس ذلك يسترفد الوحي وبه يسترشد.
ضغائن قريش
وملك الغيظ قريشًا ولبسهم الحرج، بعد أن أفلتت منهم الفرصة التي خططوا لها: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)، وما كان الله ليذرهم وما يخططون، بل لقد اختار الله توقيتهم وتخطيطهم، ليحبط به وفيه سعيهم وتدبيرهم، ليخرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى دار أمن ومنعة، فاحتاروا كيف يتربصون بهذا المجتمع الذي اخترق سلطانهم على العرب، وأصبح مناوئًا لكلمتهم في قبائل الجزيرة، ذلك السلطان الذي دانت لهم به العرب منذ عام الفيل، الذي أهلك الله فيه جيش الحبشة والفيل، بما أرسل عليهم من طير (وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ* تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ* فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ)؛ إذ ظن العرب أن الله منع بيته المحرم، إكرامًا لقريش، وما فعله الله -سبحانه- إلا إكرامًا لنبيه الذي أوشك نور ميلاده أن يشرق، وليصطنعه الله على عينه ليطهِّر البيت من الأوثان والأنداد لعبادة الله وحده.
إذن القتال
ولم يكن بدّ أن تقع وقائع بين الكفر المعاند المكابر، وبين أهل الإيمان (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ)، فلم يمض عام أو بعض عام حتى كانت هناك سرايا أخرجها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعدما أذن للمؤمنين بأن يواجهوا القتال بالقتال: (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ* أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ* الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)
لقد ظلم المؤمنون؛ إذ خرجوا من ديارهم بأعز ما يملك المرء وما يحمل؛ قلب مؤمن بالله ثابت على الحق، يطلب النجاة بدينه، ويترك المال والنشب، بل ترك كثير منهم الأهل والولد، ولحقوا بدار منعة اعتزازًا بالله وإيمانًا به، فضّلوه على لعاعة الدنيا رغبة في وجهه -سبحانه-، فعوّضهم بنصره وما أفاء عليهم.