تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهنا قضية أخرى , نرى أنه لا بد أن نعرض لها، ونحن بسبيل الاستضاءة والتحقق بالرؤية الإسلامية التي لا خيار للمسلم إزاءها, وهي أن التمزق والضياع اللذين نعاني منهما على مختلف الأصعدة أفقدنا التوازن المطلوب , وأضاعا علينا الجهات.

لقد أسقط الكثير من المسلمين اليوم البعد الغيبي عن صياغة حياتهم , مما أفقدهم مجرد الأمل الدافع إلى التغيير "فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ" صحيح بأن الله تعالى ناط هذا الدين بعزمات البشر , وأجراه على السنن الجارية في الإعداد والاستعداد، ولم يربطه بالخوارق والمعجزات , ونبه المسلمين أن يأخذوا حذرهم , فينفروا ثبات , وينفروا جمعياً , وأن يعدوا ما استطاعوا من قوة , كما بين لهم أعداءهم الحقيقيين , غير أن ذلك لم يتعارض إطلاقاً مع ضرورة استحضار البعد الغيبي.

وعلى الرغم من التخفيف الوارد في مواجهة الأعداء في قوله تعالى:" الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً" الأنفال: 66 بقي للبعد الغيبي دوره " فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين".

وقد تكون المشكلة في مسلمي اليوم أنهم يقصرون في استكمال عوامل النصر المادية، ويقعدون عن التحقق بشروطه المعنوية, ورغم ذلك ينتظرون النصر , يطلبون ما يعتبرونه حقاً لهم , وينسون واجباتهم المشروطة فيهم , لتحقق المعادلة المطلوبة "إن تنصروا الله ينصركم".

وأعتقد لو أنا صرفنا بعض ما كُتب عن العدو الإسرائيلي خلال ما يزيد على نصف قرن ـ عن انهيار مجتمعه , وهجرته المضادة , وأزماته الاقتصادية التي جعلتنا دائماً نمارس حالة الانتظار لسقوطه , دون أن يكون لنا دخل في ذلك - لو أننا صرفنا جزءاً من ذلك لإصلاح جوانب الخلل في نفوسنا، ولإعداد الأمة , وتبصيرها بعدوها، وإعادة بناء مجتمعنا على أصوله الإسلامية الصحيحة , حيث لا خيار للمسلم , ولا بديل عن الحل الإسلامي الذي يجب أن تُهيّأ مقوماته، لأننا إذا طرحنا الشعار ـ الجهاد المقدس ـ دون أن نهيّئ له مقدماته , نكون قد افتقدنا آخر مواقعنا ـ والعياذ بالله ـ وقد يكون ضرورياً أكثر من أي وقت مضى استعادة البعد الغيبي الإيماني الذي يبعث الأمل , ويشحذ الفاعلية، ويدفع إلى العمل، ويكفي أن نذكّر بخصيصة واحدة من خصائص المجتمع الذي انتصر على يهود بإعداده - وقبل ذلك كله بتأييد الله له – علّها تحقق لنا الاعتبار , وتعيد إلينا بعض خصائصنا المفقودة.

ـ لما أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم فيء بني النضير، قال للأنصار: "إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم وشاركتموهم في هذه الغنيمة , وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم , ولم يقسم لكم شيء من الغنيمة ".

فقالوا: بل نقسم من أموالنا وديارنا ونؤثرهم بالغنيمة ولا نشاركهم فيها , فأنزل الله تعالى: "وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ" الحشر: 9 إنه الجيل الذي استكمل شروط النصر وعوامله المادية فوفقه الله إليه , فهل نعود إلى الحل الإسلامي من جديد؟!

المصدر:

مجلة الأمة القطرية , العدد 63 , السنة السادسة , ربيع الأول سنة 1406هـ

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ١٨٣٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ١٨٣٣