والوهن، وقالوا: ما محمد إلا طالب مُلْك، ما أصيب نبي هكذا قط في بدنه وأصحابه , وهكذا وبدؤوا يتطاولون ويتآمرون مع المنافقين , وتناسوا العهد الذي كتبوه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ...
خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مع بعض أصحابه في شهر ربيع الأول إلى بني النضير – وكانت حصونهم على ميلين من المدينة - يستعينهم في دية الرجلين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري حينما رجع من بئر معونة تنفيذاً للعهد معهم , فلما أتاهم قالوا: نعم أبا القاسم , نعينك على ما أحببت: ثم خلا بعضهم ببعض: فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه ـ ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد إلى جنب جدار من بيوتهم ـ فمن يعلو هذا البيت فيلقي عليه صخرة فيريحنا منه؟!.
فانتدب لذلك أحدهم , فصعد ليُلقي الصخرة , فأتى جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم , وأخبره بما أراد القوم , فقام صلى الله عليه وسلم مظهراً أنه نهض , ليقضي حاجته , وترك أصحابه , ورجع إلى المدينة مسرعاً ... إلى آخر ما ورد مما هو معروف في مظانه من كتب التفسير والسيرة.
وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالتهيؤ لحربهم والسير إليهم، وبعث رأس النفاق ابن أبي بن سلول إليهم أن اثبتوا وتمنعوا فإنا لن نسلمكم , إن قوتلتم قاتلنا معكم , وإن أخرجتم خرجنا معكم ... وحاصرهم الرسول صلى الله عليه وسلم أياماً، وهم قد تحصنوا ينتظرون نصرة المنافقين دون جدوى، إلى أن أُجلوا عن المدينة المنورة , وفيهم نزلت سورة الحشر، ومن آياتها ذات الدلالة الكبيرة على ما نعاني اليوم قوله تعالى: "هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ" الحشر: 2
"ما ظننتم أن يخرجوا" الكثيرون في عالمنا الإسلامي اليوم يعيشون الإحباطات المتتالية – كنتيجة طبيعية لإقصاء شريعة الله , وما استتبع ذلك من الهزائم المتتالية - ويسيطر عليهم مناخ الهزيمة , ويتنفسون هواءه , فذراع إسرائيل تصل إلى المكان الذي تريد , من أقصى الشرق العربي إلى أقصى المغرب العربي، والكتابات الكثيرة هنا وهناك تسهم بإنهاك العرب المسلمين , وتحقيق هزيمتهم النفسية من حيث تدري , أو لا تدري بأن إسرائيل باتت تمتلك أسلحة ذرية، وتطور الطائرات وتحدّث التكنولوجيا إلى درجة بدأت معها روح التخاذل تسري إلى جماهير المسلمين , وتورث لأجيالهم بعد أن استولت على مؤسساتهم , وهنا مكمن الخطورة.
وتمارس إسرائيل الصلف والكبر والعدوان , وتوقظ النزعات الطائفية والقبلية والعنصرية والإقليمية , وقد وجدت هذه الأمور هوى دائماً في مجتمعنا العربي , إذا ابتعد عن الإسلام , والحالة التي انتهينا إليها اليوم من وجود التحالفات داخل مجتمع المسلمين , لا يحجبها اليوم شيء , لقد وصلنا فعلاً من الناحية النفسية، إلى مرحلة يصدق علينا فيها قوله تعالى: "مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّه".
لقد ألغينا الاعتبار من تجربتنا، وعجزنا عن البصارة ...