تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الدين" ويقع في دائرة الاختيار، وكيف يمكن أن يسمح في المجال الثقافي بهذه المغالطات الفكرية، واستمرار نقض الغزل من بعد القوة.

نعلن بأننا مؤمنون ثم نتنكر لهذا الإيمان , ونلغي نتائجه من مسيرة الحياة كلها، تحت شعار"لا إكراه في الدين"؟؟!.

بعد هذا يمكننا القول: إنه لا خيار للمسلم المدرك لأبعاد إسلامه من أن يتحقق بأبعاد الرؤية القرآنية الشاملة، وأن يبحث ويتحرّى؛ ليعرف حكم الله في كل أمر , وشأن من شؤونه الخاصة والعامة، وأن يتسلح بالتقوى؛ لتتحقق له ملكة الفرقان.

فالرؤية القرآنية ليست نظرية فلسفية، أو معارف باردة بعيدة عن صياغة السلوك وتوجيهه، ولا خيار له أيضاً في القعود عن إدراك هذه الأبعاد بشكل سليم وكامل، وتلقى البيان من الرسول صلى الله عليه وسلم وفي أن يديم النظر في مرحلة التطبيق (السيرة النبوية) تلك المرحلة التاريخية التي تم فيها ميلاد المجتمع الإسلامي الأول (مجتمع القدوة) وأن يديم النظر أيضاً في الظروف والشروط , والمراحل التي تم فيها ذلك الميلاد , حتى يمكنه تعدية الرؤية والاهتداء بالماضي المعصوم (مرحلة السيرة) للنهوض بالحاضر , واستشراق آفاق المستقبل.

ومن المفارقات العجيبة حقاً في عالمنا الإسلامي , وبعد هذه الحال التي انتهي إليها أن يستمع الإنسان إلى أصوات هنا وهناك , تردد القول بـ "الحتمية التاريخية " وتجهد نفسها في محاولة التدليل على صحة مقولتها، وقد تصل في تفسيراتها العجيبة لتاريخ البشر الذين يخطئون ويصيبون إلى درجة تزري بالعقل البشري " العلمي " نفسه.

ونحن لسنا ضد معرفة السنن في الأنفس والآفاق، والتعامل معها، والاعتبار بحوادث التاريخ التي تحمل رصيد التجربة البشرية , وتختصر المسافة الزمنية بالنسبة لإنسان اليوم , ونعتقد أن الذي يتخلى عن ذلك إنما يتخلى عن ذاكرته وشخصيته.

فالقرآن الكريم أول من اعتمد الحادثة التاريخية , ووجه إلى ضرورة الانتفاع بها , وطلب السير بالأرض , والنظر في تاريخ الشعوب والأمم , وكيف كانت عاقبتها , وعدم الاقتصار على التاريخ الخاص بالأمة المسلمة , والإسلام من بعض الوجوه ثمرة للتجربة الإنسانية من لدن آدم عليه الصلاة والسلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم , قال تعالى: "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا" النمل 69.

لكن المشكلة حقاً بالنسبة لمسلم اليوم هي تجاهل ما بيّنه القرآن الكريم من العبر والدروس الخالدة , وما قصه علينا من أحوال الأمم السابقة التي سادت ثم بادت, وأسباب انقراضها , وعدم الاعتبار بذلك , وأخذ الحذر , وهو الكتاب المعصوم الذي ورد بالتواتر؛ ذلك أن آيات القرآن الكريم ـ في عصر السقوط والتخلف ـ حتى لو رفعناها شعاراً لبعض مؤتمراتنا ولقاءاتنا وابتدأنا إذاعاتنا بقراءتها فهي في حياتنا أقرب للتبرك من قدرتنا على استيعاب درسها، وأخذ أنفسنا بمدلولاتها والتحقق بعبرها.

ولقد تحولت سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم عند كثير منا إلى مناسبات وأعياد واحتفالات ومواسم وموالد , تنسج حولها الخرافة , وتمجد فيها البدعة , وتُهزم فيها

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ١٨٢٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ١٨٢٩