لكن المشكلة اليوم التي لا بد من تحرير القول فيها تطرح وجهاً آخر للقضية , ذلك أن الإسلام ابتداء هو التزام , وليس إلزاماً , والإيمان اختيار , وليس إكراهاً أو إجبارا، والسؤال الذي لا بد من حسم الإجابة عنه: هل ينسحب هذا الاختيار على كل جزئية وتكليف وقضاء وتشريع في الإسلام؟
أو بمعنى آخر , هل بعد اقتناع الإنسان بالإسلام وإيمانه به , وارتحاله إليه , والتزامه به , يمكنه أن يقوم بعملية الاختيار , والانتقاء من التكاليف الإسلامية الثابتة تحت شعار"لا إكراه في الدين"؟.
أم أن الاختيار إنما يتحدد ابتداء في أصل القبول بالإسلام أو الرفض له، وبعد ذلك تأتي التكاليف الشرعية ثمرة , ونتيجة طبيعية ومنطقية للاختيار الأول , وليست هي بحد ذاتها ساحة للاختيار أصلاً , إذ لا يمكن عقلاًَ أن أؤمن بأمر , ثم اتنكر للنتائج التي تترتب على إيماني به، وأتوهم أن لي حق الانتقاء والاختيار , حيث لا إكراه في الدين.
لغير المسلم حق الاختيار , وله عدم الإكراه ابتداءً، فإذا التزم بالإسلام ألزم بالنتائج جميعاً التي تترتب على التزامه الأول.
فالإسلام يبدأ التزاماً , وينتهي إلزاماً، بمعنى الإلزام بالنتائج المترتبة على الاختيار الأول , وإلا كيف يمكن أن نتصور أن الإسلام يبني أمة , ويقيم مجتمعاً , ويحاسب خارجاً , ويشرع قانوناً , ولا يضع لذلك مؤيداته المادية والمعنوية؟!.
من هنا فإن قول الله تعالى: "وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم" الأحزاب: 36 الذي يحسم الإجابة لا يتعارض مع قوله تعالى: "لا إكراه في الدين" فقبول قضاء الله تعالى , وقضاء الرسول صلى الله عليه وسلم ثمرة للإيمان الأول؛ لذلك جاء قوله تعالى:"لمؤمن ولا مؤمنة"
فالإسلام بالنسبة للمسلم الذي اعتنق الإسلام , وآمن به هو وجود لا خيار فيه , وفرصة الحرية هنا بالنسبة للمسلم إنما تكون بالتحقق , وبذل الجهد والتحري في إثبات صحة التكليف الإسلامي , فإذا ثبت أنه تكليف من الله أو من الرسول صلى الله عليه وسلم فلا خيار بعد ذلك للمسلم (إن كان قد قال فقد صدق , إننا نأتمنه على خبر السماء).
فهل يمكن للمسلم الذي آمن بنبوءة محمد صلى الله عليه وسلم أن ينكر إٍسراءه , ويُخضع ذلك للاختيار؟ أم لا بد له منطقياً من ترتيب النتيجة المتحصلة على المقدمة التي آمن بها كما فعل أبو بكر رضي الله عنه؟ والذي نريد أن نخلص إليه أن الحل الإسلامي اليوم بالنسبة للمشكلات الكثيرة التي نعاني منها لا يشكل اختياراً للمسلم
وما يطرح على الساحة الفكرية اليوم من المغالطات لون من التضليل , لا بد من انتشال المسلمين منه, فكلما طولب المسلمون بضرورة الالتزام بالإسلام والتخلق بأخلاقه، والاحتكام إلى شرعه ارتفعت الأصوات هنا وهناك تردد قوله تعالى: "لا إكراه في الدين" ولا ندري كيف يكون تصور الدين بتشريعاته وعقوباته وتكاليفه ومؤيداته عند هؤلاء القوم إذا كانت كل جزئية , وكل تكليف يخضع لـ "لا إكراه في