تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم كان الهجوم والتحام الصفوف، وأمد الله المسلمين بمدد من الملائكة قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ، وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إلا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ... ﴾ (لأنفال 9 - 10)، ونصر الله رسوله والمؤمنين رغم قلة عددهم وعدتهم.

وكانت نتيجة المعركة مقتل عدد من زعماء المشركين منهم أبو جهل عمرو بن هشام , وأمية بن خلف، والعاص بن هشام، وبلغ عدد قتلى المشركين يومئذ سبعين رجلاً , وأسر منهم سبعون , وفر من تبقى من المشركين تاركين غنائم كثيرة في ميدان المعركة , وأقام - صلى الله عليه وسلم - ببدر ثلاثة أيام، ودَفن شهداء المسلمين فيها , وهم أربعة عشر شهيداً، وقد تمت مفاداة الأسرى بالمال , فعاتب الله تعالى رسوله - صلى الله عليه وسلم - لقبوله الفداء.

لقد كانت موقعة بدر من المعارك الفاصلة في تاريخ الإسلام , ولذا سماها الله تعالى في كتابه بـ "يوم الفرقان" لأنه فرق بها بين الحق والباطل , وكان لها أعظم الأثر في إعلاء شأن الإسلام وإعزاز المسلمين.

=============

ما ظننتم أن يخرجوا

من الحقائق المعروفة عقلاً وواقعاً أن الإيمان بأمر من الأمور يأتي ثمرة لقناعة تتولد من خلال البحث والاستدلال والاستقراء والاختبار والمعاناة والاستعداد الفطري , وأن موطن هذا الإيمان هو القلب – بالتعبير الإسلامي – المحل المنوط به الإدراك وتحقق القناعة , وهو أمر داخلي مغيب، والاستدلال عليه إنما يكون برصد سلوك صاحبه , وليس السلوك الظاهري على كل حال دليلاً كافياً على توفر القناعة, فقد ينافق إنسان فيظهر غير ما يبطن؛ لتحقيق مأرب، وقد يتملق آخر الشعور الإسلامي؛ ليخفي حقيقة أمره في مجتمع المسلمين، ويبقي الإيمان مقره القلب , ولا سلطان لأحد عليه إلا سلطان الدليل.

وغياب هذه الحقيقة عن الساحات الفكرية , ووسائل العمل , والظن بأن الإرهاب الفكري أو الإغراء المادي، أو تحقيق المصالح , يصنع مؤمنين بالمبادئ مضحين في سبيلها وهمٌ خادعٌ؛ لأنه يزيد في مساحة المنافقين والانتهازيين الذين لا يريدون بالأمة خيراً.

ومن التوهم أيضاً الظن بأن العقائد تنشأ بقرار رسمي , وأن الإيمان لا بد له من إذن السلطان "آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُم) الأعراف: 123، لذلك قال الله تعالى: "لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ" البقرة: 256 وخاطب الرسول القدوة صلى الله عليه وسلم بقوله: "ّلَسْتَ عَلَيهِم بِمُصَيْطِرٍ" الغاشية: 22 وقوله: "أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ" يونس: 99 وحدد مهمته بالبلاغ المبين "مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ" المائدة:99.

وبين أن طريقة هذا البلاغ , وتحقيق القناعة للناس إنما يكون بالدعوة إلى الله سبحانه بالحكمة والموعظة الحسنة , والمجادلة بالتي هي أحسن؛ لأن الله وحده هو الأعلم بمن ضل عن سبيله , وهو أعلم بالمهتدين , وأمر الثواب والعقاب مرده إلى الله في نهاية رحلة الحياة , وهذه قضية لا مجال فيها لجدال أو مناقشة , وغيابها عن التصور لا يعدو أن يكون جهلاً بها , أو سوء فهم لها.

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ١٨٢٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ١٨٢٧