يهتف بربه حتى سقط رداؤه عن منكبيه. فأتاه أبوبكر، فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه، وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله عز وجل: (إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين).
ومما رواه البخاري من دعائه في ذلك اليوم: (اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن تشأ لا تعبد بعد اليوم)، وتقول الرواية: (فأخذ أبو بكر بيده فقال: حسبك يا رسول الله، ألححت على ربك، وهو يثب في الدرع فخرج وهو يقول: (سيهزم الجمع ويولون الدبر).
وروى ابن حاتم بإسناده إلى عكرمة أنه قال: لما نزلت (سيهزم الجمع ويولون الدبر)، قال عمر: أي جمع يهزم؟ أي جمع يغلب؟ قال عمر: فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يثب في الدرع، وهو يقول: (سيهزم الجمع ويولون الدبر)) فعرفت تأويلها يومئذ.
وفي صباح يوم الجمعة، السابع عشر من رمضان – السنة الثانية من الهجرة وعندما تراءى الجمعان، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه قائلاً: (اللهم فنصرك الذي وعدتني، اللهم أحنهم الغداة).
وعندما وقف المسلمون في صفوف القتال، أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم في تعديل صفوفهم وفي يده قدح، فطعن به سواد بن غزية في بطنه، لأنه كان متنصلا من الصف، وقال له: (استو يا سواد، فقال سواد: يا رسول الله: أوجعتني فأقدني، فكشف عن بطنه؟ قال: استقد، فاعتنقه سواد وقبل بطنه، فقال: ما حملك على هذا يا سواد؟ قال: يا رسول الله، قد حضر ما ترى، فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدك جلدي). فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير.
ثم أخذ في توجيههم في أمر الحرب، قائلا: إذا أكثبوكم – أي قربوا منكم - فارموهم واستبقوا نبلكم. ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم. وحرضهم على القتال، قائلا: (والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة)، وفي رواية عند مسلم أنه عندما دنا المشركون قال النبي صلى الله عليه وسلم: (قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض). عندما سمع ذلك عمير بن الحمام الأنصاري، قال: يا رسول الله! أجنة عرضها السموات والأرض؟ قال: (نعم) قال: بخ بخ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما يحملك على قولك بخ بخ) قال: لا، والله! يا رسول الله! إلا رجاءه أن أكون من أهلها. قال: (فإنك من أهلها)، فأخرج تمرات من قرنه، فجعل يأكل منهن. ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة. قال: فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قتل.
وقال عوف بن الحارث – بن عفراء -: يا رسول الله، ما يضحك الرب من عبده، قال: (غمسه يده في العدو حاسراً)، فنزع درعا كانت عليه، فقذفها، ثم أخذ سيفه فقاتل حتى قتل.
وطلب الرسول صلى الله عليه وسلم من أصحابه، قبل بدء المعركة، ألا يقتلوا نفرا من بني هاشم وغيرهم لأنهم خرجوا مكرهين، وسمى منهم أبا البختري بن هشام –