وعندما وصل قريباً من الصفراء، بعث بسبس بن الجهني وعدي بن أبي الزغباء الجهني إلى بدر يتحسسان له الأخبار عن أبي سفيان وعيره.
ويروى أنه خرج هو وأبوبكر لهذا الغرض، ولقيا شيخا فسألاه عن جيش قريش، فاشترط عليهما أن يخبراه ممن هما، فوافقا، وطلبا منه أن يخبرهما هو أولاً، فأخبرهما بأنه قد بلغه أن محمداً وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا، فإن صدق الذي أخبره فم اليوم بمكان كذا وكذا – للمكان الذي به جيش المسلمين – وإن صدق الذي أخبره بجيش قريش فهم اليوم بمكان كذا – للمكان الذي به جيش قريش.
ولما فرغ من كلامه قال: ممن أنتما؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: نحن من ماء، ثم انصرفا عنه، وتركاه يقول: من ماء؟ أمن ماء العراق؟
وفي مساء ذلك اليوم أرسل علياً والزبير وسعداً بن أبي وقاص في نفر من أصحابه لجمع المعلومات عن العدو، فوجدوا على ماء بدر غلامين يستقيان لجيش مكة، فأتوا بهما إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، وأخذوا في استجوابهما. فأفادا أنهما سقاة جيش قريش، فلم يصدقوهما، وكرهوا هذا الجواب، ظنا منهم أنهما لأبي سفيان، إذ لا يزال الأمل يحدوهم في الحصول على العير. وضربوهما حتى قالا إنهما لأبي سفيان.
وعندما فرغ الرسول صلى الله عليه وسلم من صلاته عاتب أصحابه لأنهم يضربونهما إذا صدقا، ويتركونهما إذا كذبا. ثم سألهما الرسول صلى الله عليه وسلم عن مكان الجيش المكي، فقال: هم وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى.
وعندما سألهما عن عدد جيش مكة وعدته لم يستطيعا تحديد ذلك، لكنهما حددا عدد الجزور التي تنحر يومياً بأنها ما بين التسعة والعشرة، فاستنتج الرسول صلى الله عليه وسلم بأنهم بين التسعمائة والألف، وذكرا له من بالجيش من أشراف مكة، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه: ((هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها)). وأشار إلى مكان مصارع جماعة من زعماء قريش، فما ماط أحدهم عن موضع يد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأنزل الله تعالى في هذه الليلة مطراً طهر به المؤمنين وثبت به الأرض تحت أقدامهم، وجعله وبالاً شديدًا على المشركين. وفي هذا قال تعالى: ((وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم له، ويذهب عنكم رجز الشيطان، وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام)).
ومن نعمة على المسلمين يوم بدر أيضاً أن غشيهم النعاس أمنة منه، كما في صدر آية نعمة إنزال المطر: ((إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به، ويذهب عنكم رجز الشيطان، وليربط على قلوبكم ويثبت به الاقدام)).
روى في ذلك الإمام أحمد بسنده إلى أنس بن مالك أن أبا طلحة، قال: غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم بدر، فكنت فيمن غشيه النعاس يومئذ فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه ويسقط وآخذه.
وزاد الله المؤمنين فضلاً بان أوقع الخلاف في صفوف عدوهم. فقد روى أحمد أن عتبة بن ربيعة أخذ يثني قومه عن القتال محذرا من مغبته، لأنه علم أن المسلمين سوف يستميتون، فاتهمه أبو جهل بالخوف. وروى البزار، أن عتبة قال لقومه