عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى* وَلَقَد رَأَىهُ نَزْلةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} ﴿النجم:10 - 18﴾ وفرض الله عليه خمسين صلاة فجعل يتردد بين ربه عز وجل وبين موسى حتى خففت إلى خمس في العدد، وخمسين في الأجر، وفي فرض الصلاة بهذه الخصوصية ما يشعر أن هذا الركن لأهميته يجب أن يكون معراجاً يرقى بالناس كلما تدلت بهم شهوات النفوس وأغراض الدنيا، وتنتهي الرحلة الطويلة في وقت قصير، والله على كل شيء قدير، ويرجع إلى مكة ماراً ببيت المقدس مرة أخرى، ويصبح النبي صلى الله عليه وسلم مع الناس، وقد كان أمس معهم فيخبر قومه بما وقع، فارتد أناس ممن كانوا آمنوا به وصدقوه، وسعوا بذلك إلى أبي بكر رضى الله عنه، هل لك إلى صاحبك، يزعم أنه أسرى به الليلة إلى بيت المقدس! ونحن إنما نقطع ذلك أكباد الإبل شهراً! قال أبو بكر: أقال ذلك! قالوا: نعم! قال: لإن كان قال ذلك، لقد صدق! قالوا: أو تصدقه؟ أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس، وجاء قبل أن يصبح؟ قال: نعم! إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه في خبر السماء! في غدوه أو رواحه! فلذلك سمى أبو بكر الصديق.
لقد كان الإسراء والمعراج تطميناً ومواساة للنبي صلى الله عليه وسلم وفتنة للكافرين، الذين زاد عنادهم وكفرهم، ولبعض ضعفاء الإيمان ممن زلزل الحادث إيمانهم فكفروا ولم يعودوا إلى حظيرة الإيمان حتى قتلوا. وقد تأول البعض حادث الإسراء والمعراج فزعم أنه رؤيا منامية. ومنهم من زعم أنه بالروح لا بالجسد.
وكل هذا غير صحيح. إذ لو كان مناما لما استنكرته قريش ولما ارتد بعض المسلمين، ولم يكن فيه شيء من الإعجاز، وكونه مناما يخالف صريح الآية: " سبحان الذى أسرى بعبده " الإسراء1 فابتداء الآية بالتسبيح لفت النظر لأمر هام ولفظ العبد يطلق على الروح والجسد معاً ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم غير عابيء بالمكذبين يبلغ دعوته وينشر رسالته، يغشى الناس فى نواديهم وأسواقهم، ويتتبع الحجيج فى منازلهم ويقول: أيها الناس: قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، ويخاطب الناس فى الموقف: ألا رجل يحملنى إلى قومه؟ فإن قريشا قد منعونى أن أبلغ رسالة ربى. وبقى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على القبائل حتى وفق له نفر من الخزرج فدعاهم إلى الله فى موسم الحج، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن، فأجابوه فيما دعاهم إليه، وقالوا إنا تركنا قومنا، ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، وعسى أن يجمعهم الله بك. فكان هؤلاء النفر طليعة لدعوة الإسلام فى يثرب. ولما استدار العام خرج من المدينة اثنا عشر رجلا فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة الأولى. قال عبادة بن الصامت رضى الله عنه: " كنت فيمن حضر بيعة العقبة الأولى، وكنا اثنى عشر رجلا، فبايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ألا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق ولا نزنى، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتى ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه فى معروف. قال: فإن وفيتم فلكم الجنة، ومن أصاب شيئا فأمره إلى الله إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه "