صلى الله عليه وسلم بنزول الملائكة، فقد شد من أزره أيضاً بأن بعث إليه نفراً من الجن استمعوا إلى القرآن وآمنوا به، فكأن الله تعالى يعلمه أنه لن يتركه.
فإن تخلى عنه أهل الأرض ففي العوالم الأخرى من الجن والملائكة من يشد أزره ويؤمن به، ثم إن الله الذي هدى هؤلاء الجن وهم من نسل إبليس، وجعلهم دعاة ومنذرين، لقادر على تحويل عتاة قريش وثقيف إلى مؤمنين ودعاة وحماة للدين بعد حين وقد كان ذلك.
لقد أراد الله أن ينال الداعية الأول في الإسلام هذه المشاق في سبيل إقامة الدين حتى يكون قدوة لمن بعده من العلماء العاملين، والدعاة الصادقين.
ويعود النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة بعد رحلة المعاناة، ليجد أشرف تكريم من ربه، وأعظم مكافأة على تحمله للآلام والأحزان في ذات الله، فبعد سنوات ثلاث من الحصار في شعب أبي طالب ومعاناة الجوع والحرمان، وبعد فقد عمه الشفيق وتجرؤ المشركين عليه، وبعد فقد الزوجة الحنون التي كانت تواسي وتعين، وبعد خيبة الأمل في ثقيف، وما ناله من أهلها من جراح وآلام، ها هو ربه سبحانه وتعالى يكافئه ويرضيه، ويرفعه ويدنيه، ويخلع عليه من حلل الرضا ما ينسى معه كل حزن وتعب، وألم ونصب ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ﴿الاسراء:1﴾ وقد هيأ الله نبيه صلى الله عليه وسلم للإسراء والمعراج تلكم المعجزة الفريدة، بمعجزة أخرى سبق أن وقعت له وهى شق صدره، غير أن شق صدره هذه المرة لم يكن لنزع خط الشيطان منه، فقد تم يوم أن كان رضيعاً في الرابعة، وأما اليوم فإن جبريل ينزل ليغسل صدره بماء زمزم، ثم يأتي بطست ممتلئ إيماناً فيفرغه في صدره صلى الله عليه وسلم، صحت بذلك الروايات في الصحيحين وغيرهما، فوجب التسليم بها دون التعرض لصرفها عن حقيقتها، هكذا كل خوارق العادات التي وقعت لنبينا صلى الله عليه وسلم، لأن قدرة الله تعالى لا يستحيل عليها شيء، وقد ذكر أن الحكمة من شق الصدر هذه المرة وملئه إيماناً وحكمة تهيئته لهذه المكرمة التي خص بها، وتظهر هذه الحكمة في عدم تأثر جسمه بالشق وإخراج القلب مما يؤمنه من جميع المخاوف العادية الأخرى، ثم تبدأ الرحلة بالروح والجسد معاً، فيسير به البراق من مكة إلى بيت المقدس، وهناك يصلى بالأنبياء، مما يبشر أن المستقبل لدينه، وأن القيادة قد انتقلت لأمته.
لقد جمع الله له الأنبياء فأقروا بإمامته، وصدقوا بنبوته، وصلوا إلى قبلته، ثم خرج من المسجد الأقصى فأتاه جبريل بإناء خمر ولبن فاختار اللبن، فقال جبريل: أصبت الفطرة، ثم عرج به إلى السماء فيرحب به أهل كل سماء، ويلتقي فيها بالأنبياء، وكلهم يقول له: مرحباً بالنبي الصالح، والأخ الصالح.
ويرى جبريل على صورته وله ستمائة جناح ساداً الأفق، ويرى البيت المعمور في السماء السابعة وما يدخله من الملائكة ويرى ويصف سدرة المنتهى، وعندها جنة المأوى، ويصف نهر الكوثر، وما رآه من أنهار الجنة الأربعة، ويرى أقواماً من أمته يعذبون بأعمالهم، كأهل الغيبة، والخطباء الذين يقولون ما لا يفعلون، ثم يرتفع إلى مقام يسمع فيه صريف أقلام الملائكة، ثم إلى حيث شاء الله من العلا، {فَأَوْحَى إِلَى