من سماء إلى سماء يرافقه جبريل؛ فرأى الجنة والنار، ورأى من مشاهد الآخرة ما لم يره إنسان حتى وصل إلى سدرة المنتهى، وهو موضع لم يبلغه نبي أو ملك قبله ولا بعده تكريمًا له، قال تعالى: ﴿فكان قاب قوسين أو أدنى. فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾ [النجم: 9 - 10] وفي هذه الليلة، فرض الله الصلوات الخمس على المسلمين، ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس، وركب البراق عائدًا إلى مكة.
وفي الصباح، حكى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقومه ما حدث، فكذبوه وسخروا من كلامه، وأراد الكفار أن يختبروا صدق الرسول صلى الله عليه وسلم، فطلبوا منه أن يصف بيت المقدس -ولم يكن رآه من قبل- فأظهر الله له صورة بيت المقدس، فأخذ يصفه وهو يراه، وهم لا يرونه، وأخبرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بأشياء رآها في الطريق، وبقوم مر عليهم وهم في طريقهم إلى مكة، فخرج الناس ينتظرونهم، فجاءوا في موعدهم الذي حدده النبي صلى الله عليه وسلم فشهدوا بصدقه.
وأسرع بعضهم إلى أبي بكر يقول له في استنكار: أسمعت ما يقول محمد؟ وكان أبو بكر مؤمنًا صادق الإيمان، فصدَّق الرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما قاله، فسماه الرسول صلى الله عليه وسلم (الصديق) وهكذا كانت هذه الرحلة تسرية عن النبي صلى الله عليه وسلم، وتخفيفًا للأحزان التي مرَّ بها، وتأكيدًا من الله له على أنه قادر على نصرته، وكانت أيضًا ابتلاء للذين آمنوا حتى يميز الله الطيب من الخبيث.
=============
الإسراء والمعراج
بقلم الشيخ / سامح قنديل
فقد النبي صلى الله عليه وسلم بموت عمه أبي طالب سنداً كبيراً. فلم يعد بنو هاشم بعده مستعدين لتقديم نفس القدر من الحماية لما يصيبهم من أضرار مادية ومعنوية. وقد أدركت قريش ذلك فضاعفت من أذاها للنبي صلى الله عليه وسلم فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتحرك لدفع قضية الدعوة إلى الأمام.
فخرج إلى الطائف يلتمس النصرة من ثقيف سعيا لإيجاد مركز جديد للدعوة بعد أن بدا أن قريشاً لا تزداد مع الأيام إلا عداوة للمسلمين، فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، وكلم كبراءها، ورغبهم في الإسلام ودعاهم إلى الله ردوه رداً منكراً، وأغلظوا له في الجواب، فانطلق على وجهه مهموماً فأغروا به صبيانهم وسفهاءهم يسبونه ويتبعونه بالحجارة حتى أدموا قدمه صلى الله عليه وسلم. وأمام هذه الإهانات المادية والمعنوية، ولكرامته على الله عز وجل غضب الله لنبيه صلى الله عليه وسلم، وأراد أن يسليه مما أصابه من الهم والكرب، فأنزل جبريل ومعه ملك الجبال فسلما على النبي صلى الله عليه وسلم وقال له ملك الجبال: يا محمد! إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرنى بأمرك، فما شئت؟
إن شئت أطبق عليهم الأخشبين؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بل أرجو أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئاً، وكما شد الله أزر نبيه