الوحي مدة طويلة وبعدها عاوده الوحي فنزلت ﴿يا أيها المدثر * قم فأنذر * وربك فكبر * وثيابك فطهر * والرجز فاهجر﴾ (المدثر 5:1). ثم فتر الوحي ثانية ليلتين أو ثلاثا حتى قال المشركون: قد ودع محمد ربه فنزلت: ﴿والضحى * والليل إذا سجى * ما ودعك ربك وما قلى﴾ (الضحى 3:1).
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقي من نزول الوحي عليه شدة، فكان جبينه يتفصد عرقا، وكان جسمه يثقل، وكان يتعجل في تلقي القرآن ويركز ذهنه بشدة خوف أن ينساه، لكن الله تعالى بين له أنه يتكفل له بحفظه تخفيفا عنه.
وقد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول الوحي بعد الفترة الأولى أنه مكلف بحمل رسالة إلهية، ويجب أن يقوم بتبليغها، فمضى يدعو أصدقائه وأهل بيته أولا، ثم وسع نطاق المدعوين، وكانت الدعوة في هذه الفترة سرية، لئلا يفطن لها المشركون، ويشتدوا في رصدها والقضاء عليها.
وقد استغرقت مرحلة الدعوة السرية ثلاث سنوات أسلم خلالها إضافة إلى خديجة أم المؤمنين عدد من أصدقائه وهم: أبو بكر الصديق، وعثمان بن عفان والزبير بن العوام وعلي بن أبي طالب ـ ابن عمه ـ وزيد بن حارثة ـ مولاه ـ وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف وخالد بن سعيد بن العاص وآخرون من الأحرار والعبيد مثل عمار بن ياسر وبلال الحبشي وصهيب الرومي، وكان عدد المسلمين يزاد مع الأيام، ولم يلقوا أذى من قريش في هذه المرحلة لأنها سرية، ولأن قريش لم تتبين بعد خطورة الدعوة الإسلامية على عقائدها ومصالحها. لكن الدعوة تحولت إلى العلانية فبدأت مواقف قريش تسفر عن العداوة والمقاومة.
وقد أمر الله تعالى رسوله بإعلان الدعوة وإنذار عشيرته فقال تعالى: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ (الشعراء 214) فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفا فهتف: (يا صباحاه فاجتمعت إليه قريش، فقال: " لو أخبرتكم أن خيلا تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقي؟ " قالوا: ما جربنا عليك كذبا قال: " فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد " فقال عمه أبو لهب: تبا لك، أما جمعتنا إلا لهذا!؟ ثم قام، فنزلت سورة المسد ترد عليه تبت يدا أبي لهب وتب) رواه البخاري.
وجاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتسفيه عقائد المشركين وتوضيح عقيدة التوحيد، وتجهمت له قريش وبدأت بدعاية كاذبة ضده فمرة تتهمه بالجنون وآخرى بالسحر وثالثة بأنه شاعر.
وأخذ المشركون يسبون مذمماً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم، يشتمون مذمما ويلعنون مذمما وأنا محمد) رواه البخاري
وقد قام سفهاء قريش برمي فرث الجزور ودمها عليه وهو ساجد يصلي، وهم يتضاحكون، فعلمت فاطمة فجاءت تنفض عنه ذلك، ودعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب تكذيبهم إياه واستعصائهم على الإيمان، وليس بسبب إيذائهم له، فطالما احتمل آذاهم ودعا لهم بالهداية.
وكان المشركون يسبون القرآن إذا سمعوا الرسول صلى الله عليه وسلم يجهر به وكان يحرص على الصلاة في المسجد الحرام ليظهر شعائر الإسلام واحترام الكعبة