تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فانطلق منطلق إلى فاطمة - وهي جويرية -، فأقبلت تسعى، والنبي - صلى الله عليه وسلم- ساجدٌ، حتى ألقته عنه، وأقبلت عليهم تسبهم، فلما قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- صلاته، قال: (اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش، ثم سمى: اللهم عليك بعمرو بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط، وعمارة بن الوليد)، يقول ابن مسعود: " فوالله لقد رأيتهم صرعى يوم بدر، ثم سحبوا إلى القليب، قليب بدر " رواه البخاري.

ومن ذلك أن أشراف قريش اجتمعوا يوما في الحجر، فذكروا رسول الله - صلى الله عليه وسلم – فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من أمر هذا الرجل قط، سفه أحلامنا وسب آلهتنا، لقد صبرنا منه على أمر عظيم، فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوثبوا وثبة رجل واحد، وأحاطوا به يقولون: أنت الذي تقول كذا وكذا، فيقول: (نعم، أنا الذي أقول ذلك)، ثم أخذ رجل منهم بمجمع ردائه، فقام أبو بكر رضي الله عنه دونه وهو يبكي ويقول: " أتقتلون رجلا أن يقول: ربي الله "، وفي رواية البخاري عن عروة بن الزبير قال: سألت عبد الله بن عمرو: أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون بالنبي - صلى الله عليه وسلم-، قال: بينا النبي - صلى الله عليه وسلم- يصلي في حجر الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط، فوضع ثوبه في عنقه، فخنقه خنقًا شديدًا، فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبيه، ودفعه عن النبي - صلى الله عليه وسلم-، وقال: أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله؟.

ولو ذهبنا نتتبع المواقف التي أساءت فيها قريش للنبي - صلى الله عليه وسلم- بالقول والفعل لطال الأمر، حتى بلغ بهم الحال أن حاولوا قتله كما فعلوا في أواخر المرحلة المكية، وقد ازداد إيذاؤهم له وتجرؤهم عليه بعد وفاة عمه أبي طالب، الذي كان يحوطه ويحميه، فلما مات أقدمت قريش على ما لم تكن تقدم عليه من قبل، وكان عليه الصلاة والسلام يذكر ما لاقاه من أذى قريش قبل أن ينال الأذى أحدًا من أتباعه فيقول: (لقد أخفت في الله عز وجل وما يخاف أحد، ولقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد) رواه الترمذي وغيره.

أما العصبة المؤمنة فقد تحملوا من صنوف العذاب وألوان البلاء ما تنوء بحمله الجبال، وتتفطر لسماعه القلوب، وتقشعر منه الجلود، فأما ذووا المكانة والشرف فكانوا في عز ومنعة من قومهم ومع ذلك لم يسلم كثير منهم من الأذى والابتلاء كما هو الحال مع أبي بكر رضي الله عنه حيث حُثي على رأسه التراب، وضرب في المسجد الحرام بالنعال حتى ما يعرف وجهه من أنفه، وحُمل إلى بيته في ثوبه وهو ما بين الحياة والموت، وكما فعل بعثمان بن عفان رضي الله عنه فكان عمه يلفه في حصير من ورق النخيل ثم يدخنه من تحته، وكما فعلت أم مصعب بن عمير حين علمت بإسلامه حتى منعته الطعام والشراب وأخرجته من بيته، وكان من أنعم الناس عيشًا، فتقشر جلده تقشر الحية.

وأما المستضعفون من المسلمين لا سيما - العبيد والإماء-، فلم يكن هناك من يغضب لهم ويحميهم، بل كان السادة والرؤساء أنفسهم هم من يقومون بتعذيبهم، وإغراء

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ١٧٠٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ١٧٠٦