مع أن الله جل وعلا يعلم أنهم لو أجيبوا وعاينوا ما طلبوا لما آمنوا، وللجُّوا في طغيانهم يعمهون، كما قال جل وعلا: ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون * ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون * ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون﴾ (الأنعام 109 - 111).
ومن جملة محاولات التعجيز التي قاموا بها اتصالهم بأهل الكتاب من اليهود لمعرفة بعض الأسئلة والتفاصيل التي تفيدهم في تحقيق هذا الغرض، وإظهار النبي صلى الله عليه وسلم بمظهر العاجز عن الجواب، ولعل في سبب نزول سورة الكهف، وقول الله تعالى ﴿ويسألونك عن الروح ... ﴾ ما يبين ذلك بوضوح.
ومن الأساليب كذلك أسلوب المفاوضات والمساومات، فكانوا يرسلون الوفد تلو الوفد ليعرض على النبي - صلى الله عليه وسلم- عدداً من العروض المغرية طمعاً في أن يلين أو يتنازل، فأرسلوا إليه عتبة بن ربيعة وقال له: " إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد به شرفا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك، وان كنت تريد به ملكاً ملكناك علينا، وإن كان إنما بك - الباه - فاختر أي نساء قريش شئت فلنزوجك عشراً، وان كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فانه ربما غلب التابع على الرجل حتى يتداوى منه ".
فلا تزيده تلك العروض إلا ثباتاً على مبدئه، ويقيناً بدعوته، دون مراوغة أو مداهنة قائلاً لهم: (ما بي ما تقولون ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولاً، وأنزل عليّ كتاباً وأمرني أن أكون لكم بشيراً ونذيراً، فبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ماجئتكم به فهو حظكم من الدنيا والآخرة، وإن تردوا عليّ اصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم).
وعندما رأى المشركون صلابة موقفه واستعلاءه على كل المطامع الدنيوية والحظوظ العاجلة، سلكوا طريقاً آخر يدل على طيش أحلامهم، وسفه عقولهم، وهو محاولة أن يلتقي الإسلام والجاهلية في منتصف الطريق، وذلك بأن يترك الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعض ما هو عليه من الحق، ويترك المشركون بعض ما هم عليه من الباطل، فقالوا: يا محمد هلمَّ فلنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد فنشترك نحن وأنت في الأمر، فإن كان الذي تعبده خيراً مما نعبد كنَّا قد أخذنا بحظنا منه، وإن كان ما نعبد خيراً مما تعبد أنت، كنت قد أخذت بحظك منه، فأنزل الله تعالى فيهم سورة كاملة وهي سورة " الكافرون " والتي بينت بوضوح أن طريق الحق واحد لاعوج فيه، وليس هناك مكان لأنصاف الحلول أو المداهنة والتنازل، فالقضية ليست قضية شخصية، وإنما هي دعوة ربانية، وشرعة إلهية لا تقبل المساومة مهما كانت الأسباب والدوافع والمبررات.
ولما لم تفلح كل تلك الوسائل والسبل للصد عن سبيل الله، وتشويه معالم الدعوة، سلكت قريش سبيلاً آخر يدل على فشلها وإحباطها، فعادت لتصب جام غضبها على