ومن الأساليب التي اتخذوها في محاربة الدعوة الحيلولة بين الناس وبين سماع القرآن، ومعارضته بأساطير الأولين، فوقفوا للناس بكل طريق يلاحقونهم، ويثيرون الشغب والصخب كلما أراد النبي - صلى الله عليه وسلم- تلاوة القرآن وإسماع الناس كلام الله ﴿وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون﴾ (فصلت 26).
وقد ذكر أهل السير أن النضر بن الحارث قال مرة لقريش: يا معشر قريش والله لقد نزل بكم أمر عظيم ما أوتيتم له بحيلة بعد، قد كان محمد فيكم غلاماً حدثاً أرضاكم فيكم، وأصدقكم حديثاً، وأعظمكم أمانة، حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب، وجاءكم بما جاءكم به قلتم: ساحر، لا والله ما هو بساحر ... ثم عدد لهم ما يقولونه عنه وردَّ عليهم فقال: ولا هو بمجنون ولا بشاعر.
ثم ذهب إلى الحيرة وتعلم بها أحاديث ملوك الفرس وغيرهم، فكان كلَّما جلس الرسول صلى الله عليه وسلم مجلساً للتذكير بالله، جاء بعده النضر وقال لهم: والله ما محمد بأحسن حديثاً مني، ثم أخذ يحدثهم عن ملوك فارس وخرافات رستم و أسفندبار، ويقول بماذا محمد أحسن حديثاً مني؟.
ومن الأساليب كذلك أسلوب المجادلة، ومحاولة التعجيز بالأسئلة وطلب الآيات، فبعد أن أقام الرسول - صلى الله عليه وسلم - الحجج والبراهين على صحة دعوته، وصدق نبوته، احتار المشركون في أمره، وأبوا تصديقه كفرًا و عنادًا، ولم يجدوا أمام هذه الأدلة والبراهين - التي لا يستطيعون دفعها - إلا أن يطالبوه بعدد من المطالب التي لم يكن الغرض منها التأكد من صدقه عليه الصلاة والسلام، وإنما مجرد التعنت والتعجيز: ﴿وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا * أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيراً * أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا * أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه﴾ (الإسراء 90 - 93).
وقد اقتضت الحكمة الإلهية ألا يجابوا إلى ما سألوا، لأن سنته سبحانه أنه إذا طلب قوم الآيات فأجيبوا، ثم لم يؤمنوا بعدها عذَّبهم الله عذاب الاستئصال، كما فعل بعاد وثمود وقوم فرعون وغيرهم من الأمم، فروى الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما أن قريشا قالت للنبي - صلى الله عليه وسلم-: ادعُ لنا ربك أن يجعل لنا الصفا ذهبًا ونؤمن بك، قال: وتفعلون؟ قالوا: نعم، قال فدعاه: فأتاه جبريل فقال: إن ربك عز وجل يقرأ عليك السلام ويقول: إن شئت أصبح لهم الصفا ذهبًا، فمن كفر بعد ذلك منهم عذبته عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين، وإن شئت فتحت لهم أبواب التوبة والرحمة، فقال: بل باب التوبة والرحمة، فأنزل الله تعالى: ﴿وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا﴾ (الإسراء 59).
وقال جل وعلا: ﴿وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون﴾ (الأنعام 8) يعني لو استجاب الله لطلبهم بإنزال ملك، فسيكون الأمر منتهياً فلو كذبوا بعد تلك الآية التي طلبوها فلن يمهلوا أو يؤخروا.