تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويذكر مؤرخو الأدب التركي، أن الأتراك كانوا قبل إسلامهم قبائل تعيش حياة رعوية في الغالب، فلما دخلوا في الإسلام استقروا في مناطق الأناضول وأقاموا إمارات إسلامية ازدهرت في عهد السلاجقة، حيث بدأت لغتهم تنتقل من مرحلة المشافهة إلى مرحلة التدوين، وبدأ الأدب التركي يتشكل وينتشر.

ويقرر بعضهم أن الشاعر الفارسي جلال الدين الرومي ارتحل في القرن الثامن الهجري إلى قونية - وكانت عاصمة سلاجقة الروم - وأراد أن يخاطب العوام بشعره وكانوا يجهلون اللغة الفارسية - لغة مثقفي ذلك العهد - ولا يعرفون سوى التركية، فاضطر أن ينظم شعرًا بالتركية يدعوهم إلى الزهد والتصوف .. فنشأ الأدب التركي أدبًا تعليميًا دينيًا، وجاء بعده في القرن التاسع الهجري شعراء آخرون عمقّوا هذا الاتجاه مثل يوسف إمره، وعاشق باشا، وسليمان جلبي، وهذا الأخير بلغ شعره منزلة عالية بين الأتراك، بفضل قصيدته المطولة في السيرة النبوية، والتي ما زال الأتراك حتى اليوم ينشدونها في المناسبات الدينية في المساجد والمنازل.

مدائح نبوية تخلو من الصوفية

وقد ظهرت في الشعر التركي أنواع عديدة من الشعر الديني، منها المدائح النبوية التي شابتها بصمات صوفية، ومنها "المحمدية" وهي على العكس من المدائح النبوية (تخلو تمامًا من أية نزعة صوفية وربما اختص بها أهل السنة معارضين غلاة الصوفية)، فهي تبدأ بالتوحيد وبالتنويه بأن الصفات الذاتية لله سبحانه وتعالى في أسمائه الحسنى، ثم تعرض صفات الرسول - صلى الله عليه وسلم - دون مبالغات أو تهويلات، وتتبعها بصفات الخلفاء الراشدين، ومكارم أخلاقهم .. وربما تعرض بعض قصص الأنبياء.

ومع تطور الأدب في تركيا، وتعدد فنونه وموضوعاته، انتشرت الآثار الإسلامية في عدد من فنونه الجديدة وموضوعاته، فضلاً عن الفنون والموضوعات الدينية المحضة، فظهرت آثاره في الشعر الديواني، وهو مزيج من المشاعر الدينية والغزلية العفيفة، ويعد الشاعر (باقي) رائدًا كبيرًا من رواده، كما ظهرت الآثار الإسلامية في النثر الفني المرسل، الذي يعتمد على معانٍ دينية أيضًا.

ومع بداية التطورات القومية في الدولة العثمانية، وظهورها نزعةً قوية عند بعض الأدباء الأتراك في نهاية القرن التاسع عشر، ظهر تيار مضاد يحافظ على القيم الإسلامية ويعمقها في الأدب التركي الحديث، ويعالج مشكلات المسلمين في الدولة العثمانية المتهاوية، وقد تزعم هذا التيار الشاعر الكبير محمد عاكف أرصوي الذي عاصر معاناة تركيا في الحرب العالمية الأولى، واحتلال جيوش الحلفاء أرضها، وسقوط الخلافة، والذي جعل شعره منبرًا إسلاميًا قويًا، يستثير المشاعر الإيمانية في نفوس الأتراك، ليدافعوا عن دينهم وأرضهم، وقد شاعت قصائده بين الأتراك بقوة، وصارت إحداها فيما بعد النشيد القومي التركي .. وما زالت حتى الآن - بعد حذف عبارات قليلة منها -، ويعد محمد عاكف رائد مدرسة أدبية كاملة، حملت هموم المسلمين في تركيا وتطلعاتهم طوال الفترة الكمالية، واستطاعت هذه المدرسة أن تتصدى للتيار القومي والعلماني، وأن تحافظ على النسيج الإسلامي في الأدب التركي، وأن تعززه.

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ١٦١٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ١٦١٧