تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والسياسية واللغوية، فمثلاً يمكن أن نقول عن أدب شكسبير إنه بلغ مرتبة العالمية؛ لأنه تُرجم إلى معظم لغات العالم، وقرأته شعوب كثيرة بلغاتها المحلية - فضلاً عن الأفراد المتميزين في تلك الشعوب الذين قرؤوه بلغته الأم - فالعالمية هنا هي عالمية الشيوع والانتشار، وتكون بعد مرحلة الشيوع المحلي عادة، وتتدخل فيها عوامل خارجية كثيرة، منها الظروف السياسية والحضارية للأمة، والجهود التي تبذلها في نقل آدابها إلى الآخرين، وقد استطاعت كل من إنجلترا وفرنسا أن تنشر آدابها في المجتمعات التي سيطرت عليها في القرن الميلادي الماضي وشطر من القرن الحالي، كما استطاعت أمريكا أن تنشر قدرًا من آدابها بفضل الجهود والترجمات المكثفة التي تقوم بها، أو ترعاها، مؤسساتها الثقافية المختلفة، فلا يكون تميز التجربة الإنسانية وتفوقها السبب الوحيد في عالميتها، وقد يكون مستواها الفني دون المستوى الفني بكثير لأعمال في المجتمعات المستقبِلة، ولكن هذه لم تتهيأ لها وسائل التوصيل والترويج.

بين الانتشار والجودة

وثمة نوع آخر من العالمية لا يقتصر على عالمية الانتشار، بل يتجاوزها إلى عالمية الإبداع أيضًا، فتجد التجربة الإنسانية بملامحها الرئيسية تتكرر في مجتمعات مختلفة اللغات والظروف، وتجد النصوص الأدبية تجتمع على موضوعات ومضامين، وعلى ألوان من الاستقاء والتأثر، وعلى صياغات متقاربة - إن لم تكن متماثلة - للصورة الفنية، فتصبح الأعمال الأدبية التي تتصف بهذه الصفات فصولاً متنوعة في كتاب كبير واحد.

وتبنى من مجموعة العناصر المتماثلة كيانًا أدبيًا عالميًا، يحس به ويتذوقه المتذوقون في كل مكان يصل إليه، فيحسون أنه يخاطب وجداناتهم ويؤثر فيها، وكأنه صدر عنها أو أنشئ فيها. وهذا اللون من العالمية - في يقيني أقوى وأعمق من عالمية الانتشار وحدها، وهو اللون الذي يتميز به الأدب الإسلامي.

العوامل المؤدية

فعالمية الأدب الإسلامي تبدأ من مرحلة الإبداع وتزدهر فيها، وتخضع في مرحلة الشيوع لعوامل سياسية وثقافية تجعلها بين مد وجزر.

ذلك أن الأدب الإسلامي ينتجه كل مجتمع مسلم، أيًا كانت لغته وجغرافيته، وأحواله السياسية ... ينتجه أدباء مبدعون في تلك المجتمعات، امتلأت وجداناتهم بوهج الإيمان، واستوت نظراتهم للحياة من خلال رؤى الإسلام، وتفاعلوا مع الأحداث التي واجهوها في مجتمعاتهم بتلك الرؤى، وأبدعوا أعمالاً أدبية بلغاتهم المحلية، وبرؤىً إسلامية تتغلغل في موضوعاتها، أو مضمونها - وفي عدد من أدواتها الأسلوبية - إسلامية كاملة، لا يمنعها انتقالها من لغتها الأم إلى لغات أخرى من أن تؤثر في القارئ المسلم أيًا كانت بلده ولغته، وأن تهز وجدانه، فيحس بها وكأنها ولدت لتخاطبه، وأن الانفعالات التي تحملها جزء من الانفعالات التي يتلجلج بها صدره، وأنها جسر متين بينه وبين الأديب الذي أبدعها، وأنها - من ثم - لبنة في بناء عالمي كبير، تتجاور في لبنات أخرى من هذا المجتمع وذاك، في تناسق وتناغم كاملين.

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ١٦١٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ١٦١٤