تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أهواءهم عما جاءك من الحق. لكلٍّ جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً. ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جمعياً فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون).

هكذا يبين الله تعالى الخيرية التي تميزت بها هذه الأمة من خلال كتابها والتحاكم إليه ونبذ الأهواء المضللة خشية الفتنة والتفكك والاضطراب فالحق واحد وطرق الضلال متعددة، وركون كثير من الناس إلى سلطان الهوى- والبعد عن الهدى من أهم معوقات التميز الحضاري في العصر الحاضر- ما ذاك إلا بسبب الجهل بمقاصد التشريع الإلهي حتى جلب أولئك لأمتهم شيئاً من توابع الذل والانكسار، ووصفهم بالفسق في قوله سبحانه في سياق تلك الآيات: (وإن كثيرًا من الناس لفاسقون) المائدة 49.

وإذا كان الله سبحانه وتعالى قد ميز هذا الإنسان عن غيره من المخلوقات بهذا العقل البشري الذي يعرف به الحق والباطل، والخير والشر فإن هذا العقل يحتاج إلى الغذاء المناسب حتى يعطي وظيفته على الوجه الأكمل، وهذا الغذاء يستمد من القيم الحقيقية لثقافتنا الإسلامية، وأصولها المباركة، لينعكس أثر ذلك على التميز الحضاري لهذه الأمة وواقع حياتها العملية، فيكون المجتمع مجتمعاً تسوده روح المحبة والتعاون والقيم الفاضلة، وتلك خصوصية لثقافتنا الإسلامية، وينبغي أن يوجد هذا التميز وتلك الخصوصية في كل وقت فلا تحدد بزمان معين؛ لأن رسالة الإسلام رسالة خالدة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وعامل الثقافة الإسلامية عامل مهم جداً في رسم المنهج السليم لحضارة الأمة، لأنها قلبها النابض ولباسها المنيع الذي يحميها من زيف وضلال الحضارة الغربية.

ومن هنا ندرك أن الثقافة الحقيقية التي لها أثر في بناء حضارة الأمة ثقافة واحدة، وهي الثقافة الربانية التي تستمد رسالتها من الوحي الإلهي وفيها سعادة البشر، وما عداها فهي من الجاهلية الأولى التي همها النهب والاستعمار- كما هو الحال في الاستعمار الغربي الذي من أهم أهدافه: زعزعة العقيدة الصحيحة في نفوس المسلمين، إدراكاً منه أن التمسك بالعقيدة سبب بناء الأمة المسلمة، وزعزعتها وتحطيمها في نفوس سبب لتدميرها.

والواقع اليوم يشهد لذلك؛ فنحن نرى آثار الاستعمار في تلك الأجيال المسلوبة الإرادة، بل منها من فقد هويته حتى صار تبعاً لغيره عاجزاً عن تحقيق شخصيته المسلمة، وهذه نتيجة حتمية لكل مجتمع يفقد ثقافته الأصلية.

ولا أحد ينكر أن واقع ثقافتنا اليوم يحتاج إلى مزيد من العطاء ممن ينتسبون إليها من رجال الفكر والأدب بحيث نحقق الاكتفاء الذاتي الذي يحفظ لنا كيان تلك الثقافة.

ولنجعل من الشعوب التي فقدت قيمها وأخلاقها خير دليل على تأثر الحضارة بالبعد عن معالمها وأصولها التي تبني عليه، ما يجعل هذا التأثر السلبي يصيب الأمة بالخلل في حياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهذا هو سبب التأخر الحضاري لدى أمة من الأمم.

ولقد كان من نتائج الخروج عن أصول الثقافة الإسلامية والعربية أن أنهار أكبر حصون التحصين الثابتة في المجمع ما حدا بالمجتمع إلى أن يعيش فترة من الجمود

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ١٥٧٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ١٥٧٩