وأضاف البغدادي إن مصطلح الحداثة من المصطلحات التي فيها إغراء لإيهامه التجدد والتطوير لأنه دخل منظوماتنا الفكرية ضمن ثنائية حادة جداً إلى حد التناقض؛ بحيث إن الأخذ بأحد الاصطلاحين محتم لترك الآخر، أو التضاد بحيث أن الجمع بينهما ممتنع. فالمصطلحان متممان لبعضهما بحيث لا ينفكان، فقبول مبدأ الحداثة لا يتعارض مع مبدأ التمسك بالأصول، والأخذ بمبدأ التجديد أو الإصلاح لا يتعارض مع مبدأ الأصالة والقدم.
إن النظرة التوفيقية انطلقت لتبحث عن ثالث كبديل مناسب للعصر، أو من الثالث لتبحث عن حالات من الانسجام بين الأمرين حيث لا تعارض ولا تضاد ولا تناقض وإن اختلفت الحلول المطروحة التي قامت عليها كل تلك التوفيقات. ولكن المشكلة تبقى ـ حسب البغدادي ـ في الحداثة نفسها؛ هل هي حداثة أصلية بناءة إبداعية، أم حداثة تقليدية جديدة تستعيض عن تقليد القديم بتقليد الجديد المتمثل في حضارات أخرى.
تعرّض البغدادي للمشكلات الناجمة عن قضية التحديث المنشود لنظمنا الإسلامية، والتي تجلت في تصويره لحجم المشكلة سواء على صعيد الآليات والتقنيات الفكرية أو بسبب التسطيح للعقل العربي والإسلامي أو بسبب الضياع والحيرة التي انتابت عقولنا بحيث طرحت شعارات كثيرة لإعادة بناء بيتنا الداخلي، أو بسبب الصراع المحتدم بين تيار يُشَرْعن الواقع وتيار يوقعن الشريعة تحت ما أطلق عليه فقه الواقع، أو بسبب إننا ـ كأناس ننتمي إلى مسمى العقل الإسلامي ـ ننطلق من مقولتين خطيرتين: المقولة الأولى بأن الإسلام رسم المبادئ الكلية وترك لكل عصر تحديد الطرائق والوسائل والأساليب بما لا يختلف معها، أو ـ المقولة الثانية ـ النصوص متناهية والوقائع غير متناهية وهي مشكلة أصولية أقحمت في غير ميدانها. بالإضافة إلى ذلك وقع العقل العربي والإسلامي في منطق التبرير لما حدث، ومنطق الانتظار لما لم يقع! بسبب الشعور الّلاواعي في داخلنا الذي يدعونا للالتزام بالدونية للفكر الغربي. كل هذه الأسباب المذكورة تصور لنا حجم المشكلات الناجمة عن قضية التحديث المنشود لنظمنا الإسلامية التي ينبغي أن تسبقها حلول جذرية في بنية أو منهجية أو لنقل برمجة العقل الإسلامي.
ورأى البغدادي أن قضية التحديث للنظم الاقتصادية ينبغي أن تسبقها حلول جذرية في منهجية أو لنقل برمجة العقل الإسلامي. مؤكداً أن تلك الحلول تعتمد على:
1 - ضبط العلاقة بين العقل والنص لرسم الدور الذي ينبغي أن يلعبه العقل على حسب محددات الشرع.
2 - إدراك الفرق بين الاجتهاد الفقهي ودعاوى فتح باب الاجتهاد التي تتطرق بالدرجة الأولى للاجتهاد الفكري أو العقلي.
3 - الإدراك التام أن النصوص نفسها أو الوحي حدد الدور الذي يلعبه العقل ورسم له طرائق التعامل مع الواقع ومع النصوص نفسها ومع نفسه، فقالت لنا هذه النصوص صراحة (إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون)، (قل انظروا ماذا في السماوات والأرض) ... الخ. وتساءل البغدادي: ماذا في المنهج غير هذه المفردات المؤصلة له العقل، التفكر، النظر، الاستنباط، الاجتماع، البرهنة، الاستدلال؟ ... ثم ما فيه من