تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كانت عليه أيام بدأ رواد النهضة الأوائل دعوتهم. كذلك خضعت البلدان العربية والإسلامية إلى تقسيمات جديدة لم تكن تعرفها من قبل فصيغت خريطة جديدة للعالم، وولدت القضية الفلسطينية وتطورت على نحو درامي مزمن بحيث استنزفت جزءاً كبيراً من جهود النهضة، و كانت حركات التحرر ـ إضافة إلى ذلك ـ تلعب دوراً حاسماً في توجيه جهود النهضة. ومن جهة أخرى عاش العالم الإسلامي خلال العشرين تناقضات جعلت توازنه يأخذ صيغة اختلال، من حيث إنه لم يتطور نحو أن يكون عالماً تسوده علاقات متوازنة بين بلدانه، بل علاقات تطبعها أساساً الشروطُ الهيمنة ذات المستويات المختلفة وهو ما جعل التنمية مطلباً أكثر تعقيداً ومتعارضاً بطبيعة الحال مع ظروف الاختلال التي يحيا فيها العالم الإسلامي برمته.

لقد أصبح سؤال النهضة في المرحلة الثانية يعبر في وسط التحولات الجديدة التي مرت بها المجتمعات الإسلامية و من منظور التطور في هذه العلوم وفي تطبيقاتها، والاستفادة مما حصل فيها في البلدان الأوربية.

في المرحلتين إذًا ثَم فارق في نمط العلاقة مع الغرب (متمثلاً في أوربا على وجه التحديد) فقد أصبحت أوربا نموذجاً لوجهين متناقضين: نموذج النجاح في النهضة حيث "يجب"ـ حسب الوقيدي ـ الاقتداء بها، ونموذج الهيمنة الاستعمارية حيث "لا يمكن أن تتحقق النهضة دون التحرر منها".

وفي المرحلتين أيضاً كان هناك وعي بالشروط التي تعصف بالمجتمعات المسلمة (الداخلية والخارجية)، وهي شروط تغيرت على نحو كبير في كلا المرحلتين. لقد مهد فكر النهضة الإسلامي في المرحلة الأولى لتطورات الفكر النهضوي في مرحلته الثانية، وانتقل الفكر النهضوي من "التجديد" الإسلامي إلى استيعاب تطورات العصر، ولكن هذه المرة (المرحلة الثانية) لم يكن بالضرورة على أساس المرجعية الإسلامية.

هذا ما يراه الوقيدي على أنه الواقع الذي حصل، وهو تفسير لا يلغي تفسير النيفر (كما أوضحناه في القسم الأول من المقال) بل إنه يمكن القول إن هذا التفسير يدعم بشكل حاسم تفسير النيفر المذكور.

لكن النيفر الذي عقب على البحث يعد أن الوقيدي اعتمد على منهجية تاريخية تدرس الأشياء من منظور تاريخي لم يستطع في تفاصيل قراءته التحرر من (معتقداته الحداثية)، مما يجعله عاجزاً عن التفهم الدقيق في قراءته للتراث العربي الإسلامي ونتاج مفكريه، وقد أفرز هذا التفهم الإيديولوجي عند الوقيدي نظرة مختلة للفكر العربي والإسلامي، حيث قسمه إلى تاريخين معاصر وإصلاحي تقليدي، وهو ما لا يفيدنا ـ إن لم يكن قد أعاقنا ـ في معرفة البنية التضاريسية الفكرية للعصر الوسيط وما سبقه.

كما يظهر القصور المنهجي في تعامل الوقيدي مع ابن خلدون والذي قصر شهادته - لا كما أراد - على ما عرفه الغرب دون التعرض للتشخيص الخلدوني الساعي لاستعادة الفاعلية الحضارية بعد قرون سبعة من الحضارة العربية والإسلامية.

ويأخذ النيفر ـ محقاً ـ على الوقيدي فرضيته المتضمَّنة في أفكاره التي تقول إن التجديد الفكري للفكر العربي الإسلامي لا يمكن أن يعتمد على التراث، وإنما

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ١٥٧٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ١٥٧٠