في القسم الأول من المقال قدمنا وجهة نظر إسلامية جواباً لسؤال "لماذا أخفقت النهضة؟ "، حيث انتهت إلى أن السبب الرئيسي يكمن في تحول مسارها من أرضيتها الدينية إلى الأرضية العلمانية، ومن أصلها الفكري والعملي الجماعي إلى الأيديولوجيا السياسية الحزبية الضيّقة. وفي هذا القسم نتابع طرح الجواب ولكن من موقع آخر.
ـــــــ
يطرح المفكر المغربي محمد الوقيدي ضرورة التركيز على الإشكالات التي كانت تكبح باستمرار كل محاولات النهوض، حيث يردها إلى عوامل ذاتية بالدرجة الأولى في العالم العربي والإسلامي تكثفت في خطاب النهضة مما أدى إلى القصور في بنائها.
ويجد الوقيدي بعد مقارنة معقدة بين النهضة العربية والنهضة الأوربية أنه فيما كانت الأوربية تعبر عن واقع موجود وقائم بالفعل كانت جارتها العربية تعبر عن "واقع مأمول" لم يتحقق بعد.
يقسم الوقيدي تاريخ البحث في "النهضة" إلى مرحلتين متمايزتين (وهي بنظره قسمة لا غنى عنها لاختلاف التطورات التي مر بها العالم الإسلامي) الأولى تبدأ من مطلع القرن التاسع عشر، والثانية تبدأ من الحرب العالمية الأولى حتى نهاية القرن العشرين. ففي القرن التاسع عشر كان هناك وعي بالتأخر وتساؤل عن أسبابه وشروط الخروج منه، وكان مفكرو البلاد الإسلامية في هذه المرحلة يبحثون في الشروط الذاتية التي تسمح للمجتمعات الإسلامية أن تتجاوز التأخر، كما كانوا يتصورون أن هذا التجاوز هو "استئناف" لدور حضاري سابق، ولذلك وعلى الرغم من اختلاف صيغ التعبير والتدليل اتفق هؤلاء المفكرون على ضرورة العودة إلى العقيدة في أصالتها ونقائها الأول، وكان في هذه المرحلة حديث عن الآخر المتمثل بالغرب الأوربي المتزايد قوة وصعوداً، ولكنه كان حديثاً عن آخر يمكن بشروط ذاتية تجاوزه أو ردم الهوة التي تفصلنا عن زمنه، ويعتبر محمد عبده ممثلاً نموذجياً لهذه المرحلة.
تمتاز المرحلة الثانية بظهور فئة جديدة من المفكرين المسلمين ذوي تكوين خاص متميز عن تكوين مفكري المرحلة الأولى. فقد كان تكوين مفكري المرحلة الأولى تقليدياً، إذ نهلوا من التعليم الذي كان سائداً في البلاد العربية والإسلامية منذ قرون، وكانت رحلاتهم إلى أوربا بمثابة تعليم إضافي لتعليمهم التقليدي على حد تعبير الوقيدي، الذي يرى أن هذا التعليم المزدوج هو الذي أدى إلى "الطابع التوفيقي" لأفكارهم عن النهضة. أما في القرن العشرين فقد ظهرت فئة مثقفة جديدة أعادت طرح سؤال النهضة هذه الفئات تلقت تعليمها في الغرب في ظل تغيرات عميقة حصلت في المنطقة، فاحتلال البلدان العربية والإسلامية لم يتوقف تأثيره على حدود الهيمنة العسكرية، بل امتد إلى القطاعات الثقافية والتعليمية والاجتماعية، وتشكلت البلدان المستعمرة بعد الاستقلال على أساس معطيات التقدم الغربي في تنظيم الدولة والمجتمع وإدارتهما. لقد تطورت الظروف الداخلية للبلدان العربية والإسلامية على نحو عميق، فلم تعد بنياتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والتعليمية على ما