وينظر النيفر إلى انقسام النخب الثقافية بين ذهنية الولاء المطلق للغرب وذهنية الرفض التام له على أنها ساهمت في تمزيق الثقافة العربية بالإضافة إلى الأحداث السياسية المتتالية على الفكر النهضوي العربي فيما بعد الحرب العالمية الثانية، وما تبعها من ظهور للأحزاب والتيارات الفكرية المتعددة الاتجاهات حيث كانت ردة الفعل، أو الاستجابات القهرية عليها في معظم بلدان العالم الإسلامي، ومن ثم فإن اتجاه المثقفين إلى اعتماد "مرجعيات مستعارة" في منهجهم من خلال المقارنة مع الغرب الأوربي، فعملت النهضة على ترسيخ قيمة الآخر (الأوربي) والاتجاه الإصلاحي الذي أعطى الأولوية للمجال السياسي، وبالتالي لم تستطع النهضة ـ كما يستنتج النيفر ـ أن تبني تصوراً واضحاً عن نفسها ولا حتى عن ذات الآخر في اللحظة نفسها! وبنت بدلاً من ذلك منظومة فكرية أيديولوجية (اعتقادية) عن النهضة على حساب بناء مشروع للنهضة! وهكذا ما استطاعت هذه النخب الثقافية المستعلية التواصل مع ثقافة مجتمعاتها الإسلامية بسبب انحباسها في مقولات وأفكار ونظريات تجاوزها الزمن، ولا هي استطاعت بناء المشروع فبقيت سجينة أحلامها الأيديولوجية التي لا رصيد لها إلا إكراهات الظروف العابرة وهما ما أدى للفشل في بناء مشروع للنهضة والإطاحة به.
النهضة المفارقة
يجد النيفر بناء على ذلك أنه لكي نبدأ بصياغة مشروع للنهضة من جديد علينا أن نلحظ أن أسئلة النهضة الأوربية مفارقة لنا بقدر اتصالها بواقع الغرب التاريخي، ومتزامنة مع تطورات الواقع والفكر لديه في حين أنها تحولت لدينا إلى قطيعة مع الواقع والتاريخ العربي والإسلامي، ولأجل ذلك ظلت الأسئلة التي يطرحها فكر النهضة تدور حول نفسها وتكرر ذاتها في كل مرة يتم الحديث فيها عن النهضة دون أي تقدم يستحق الذكر!
ولا يفرق النيفر تفريقه بين الأطوار التي مرت بها النهضة على نحو واضح ودقيق، كما يأخذ عليه المفكر المغربي محمد الوقيدي، لأن النيفر فيما يبدو لا يجد أنه من الممكن إقامة هذا القضية على نحو حدي ودقيق زمنياً، ومن الأجدى التعامل مع أفكارها وتحولاتها ومقاربتها زمنياً قدر الإمكان. كما أن النيفر لا يفرق في النهضة بين عربية وإسلامية لأن النيفر أيضاً فيما يبدو يعتبر أن ما ينطبق على العالم الإسلامي ينطبق على العالم العربي والعكس صحيح مهما وجدت الإستئناءات (ماليزيا مثلاً).
وينتقد الوقيدي أطروحة النيفر لتفسير إخفاق النهضة في مفارقة خطابها للواقع العربي الإسلامي، بأن هذا لا يفسر القضية كاملة، إذ إنها تنتهي إلى حصر القضية في علاقة الفكر بالواقع، وهو ما يجعلنا نغفل عن البحث في الواقع ذاته للبحث عن الأسباب الموضوعية التي أعاقته عن التطور في اتجاه النهوض , والتجاوز إلى آفاق جديدة.
مهما يكن فقد وقف النيفر على التفسير المعقول لإخفاق مسعى النهوض في العالم الإسلامي، الذي كانت النخبة الثقافية العلمانية سبباً رئيسياً فيه.