تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مع طلائع "الإصلاحات" التي بدأها بعض الولاة العثمانيين في أقاليم الخلافة الإسلامية استهداءً بالغرب، وأدت هذه الإصلاحات التي عرفت بـ"التنظيمات" إلى انهيار الخلافة العثمانية برمتها، ولم يبدأ البحث عن سبل النهوض على نحو جدي إلا حين دكت قنابل نابليون مدن العالم العربي، أي في قلب الخلافة الإسلامية.

مضت المحاولات الفكرية للبحث عن النهضة، بدأت بالسؤال: "لماذا تقدم الغرب؟ " لنحذو حذوه، ثم أصبح السؤال (مع شكيب أرسلان) في مطلع القرن العشرين:"لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ " ولم يلبث أن انقلب السؤال (مع أبو الحسن الندوي) في منتصف القرن المذكور ـ بسبب صعود الدولة العلمانية واستشراء المد الماركسي على النخب الفكرية ـ إلى: "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟ " والآن بعد قرنين من الزمن عدنا إلى نقطة الصفر، إذ لم يتحقق من النهضة التي حلم بها مفكرو الأمة شيئ، وأصبح السؤال: "لماذا أخفقت النهضة؟ "!

هذا الموضوع الذي أصبح أحد أكثر الموضوعات أهمية الآن في أوساط النخبة الثقافية المسلمة، تدور حوله بحوث متعددة وتحت مسميات مختلفة، ويأتي هذا الكتاب في سياق الجواب عن النهضة في سؤالها الأخير "لما أخفقت؟ ".

هل النهضة "حلم تاريخي"؟

يبحث المفكر الإسلامي التونسي احميدة النيفر في القسم الأول من الكتاب عما إذا كانت النهضة "حلماً تاريخياً" وحسب، ويجد في مسيرة النهضة ما يؤكد أنها لم تكن أكثر من ذلك بكثير؛ فالنخب الفكرية لم تُرْسِها باعتبارها مشروعاً تاريخياً مكتملاً. يفسر النيفر ذلك بأن النهضة التي بدأت بباعث ديني (هو الإسلام) وعلى أيدي رجالات الفكر الإسلامي، ما لبثت أن تنكرت لهذا الأساس على أيدي النخبة الثقافية اللاحقة فأقيمت قطيعة مع الخطاب الديني ـ وهو بطبيعته جزء من الحراك الاجتماعي للمجتمعات العربية والإسلامية ـ فقد استبعدت القيادات الفقهية واستُبدلت بمناهجها .. أخرى مبتوتة الصلة بالدين وغريبة عن الثقافة العربية والإسلامية، كما استُبدل بخطابه خطاب آخر غريب من نفس السحنة والجنس. هذا في الواقع ما صنعه المثقفون العلمانيون المؤمنون بالحداثة الغربية على نحو يجعلها وكأنها مسار تاريخي حتمي لكل الحضارات الإنسانية، لقد ساهم حلمهم بالتحديث الغربي واستلابهم لنموذجه في إرباك مسار النهضة، فتبني العلمانية وتهميش دلالة الدين قسراً باعتبارها ـ من منظوره ـ فاقدة القدرة على إنشاء الحضارة بخطابها القرآني! وتمددت القطيعة لتتجاوز الدين وتصل حتى إلى التراث الإسلامي بأكمله، اعتقاداً منهم بأن ذلك سيحرر الفكر العربي من التخلف وسيقوده نحو التقدم، كما حصل في البلدان الأوربية دون وعي منهم بأن الثقافة الأوربية كانت تنطلق من طبيعة صلة النهضة الغربية مع ماضيها، وزاد في هذه الصعوبة الوعي المتأخر بالنهضة، وهو ما يسميه النيفر بـ"الوعي المفوت"، مما أدى إلى المراوحة التي تعوق الجهد المبذول للبناء الفكري النقدي، ويظهر ذلك جلياً ـ بنظره ـ في تداخل وعدم وضوح مفاهيم النهضة والتباسها.

بناء الأيديولوجية!

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ١٥٦٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ١٥٦٧