تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تطابقها مع مشروعها الرأسمالي وتحولها واستدخالها لمنطقه في الربح والسيطرة والاستهلاك، وبالتالي بسبب إعاقة هذا المشروع لخطط التنمية التي فشلت في بلدان الأطراف فشلاً ذريعاً وتحولت في مظاهرها العالمية الغالبة إلى حضارة "صورة" و "سلعة" يتجاذبها تناوب المتعة والملل السريعين لدى الميسورين، والحقد والجوع والعنف لدى المحرومين.

ما لا يقوله خطاب "صدام الحضارات" هو أنَّ انبعاث الثقافات الفرعية لحضارة قديمة كالحضارة الإسلامية على سبيل المثال، هو صيغة من صيغ يقظة المغلوب الذي يلجأ إلى الذاكرة الجماعية الثقافية للاحتماء والاحتجاج والرفض، وأن الثقافة أو المصادمة اليوم، والتي تصدر عن مخزون من الذاكرة الجماعية والمقدس الديني، ليست حضارة بالمفهوم الذي يبني أنساقاً فكرية وفلسفية وإبداعية وإنتاجا للمعرفة على المستوى الإنساني والعالمي، كما كان شأن الحضارة الإسلامية سابقاً، بل إنها نمط من ثقافة فرعية لحضارة أصبحت في حال العرب والمسلمين تراثاً وتاريخاً ومشروع استلهام حضارة إسلامية جديدة.

إنَّ العرب والمسلمين اليوم، لا ينتجون وسائل الحضارة الإنسانية الحديثة، ولا علومها، ولا فلسفتها، أما العودة إلى معالم الحضارة الإسلامية إبان ازدهارها فهي عودة إلى التاريخ واسترجاع الذاكرة أو دراسة لمرحلة، وفي الحالتين لا تملك "الحضارة الإسلامية"، بما هي تراث، ديناميت التصادم مع الحضارة الغربية الحديثة.

إنَّ الشعوب الإسلامية تبحث عن مشروع حضاري جديد لا يمكن للإسلام إلاَّ أن يكون في قلبه، ولا يمكن لمعطيات الحضارة العالمية إلاَّ أن تكون مادة اقتباس وتوليف وهضم له.

إذاً ماذا نسمي كل هذه الصدامات في العالم والتي يزهو هنتنغتون بتعدادها في مقدمة رده على مساجليه عبر إعطاء نماذج من عالم ما بعد الحرب الباردة؟

الواقع أنَّ أمثلة هنتنغتون هي نماذج من تكوينات طائفية ـ دينية ـ وإثنية ـ وقبلية ـ كانت موجودة في عالم الحرب الباردة، بل في عالم ما قبل الحرب الباردة، وهذه التكوينات كانت جزءًا من نسيج اجتماعي ساد عوالم حضارية قديمة انتظمت في أطر من الجغرافيات السياسية والتاريخية. عالم الصين والهند، والعالم الإسلامي العثماني ... هذه التكوينات الثقافية لم تتحول إلى عناصر صدام إلاَّ مع التفكك والتفكيك الذي حصل لها بفعل عوامل ذاتية وخارجية.

وماذا بعد؟

الحديث عن صراع الحضارات لم يقتصر على الدائرة الفكرية في الغرب، ولم يبق - في أحسن الأحوال - في أدرج الاستراتيجيين وصناع القرار الغربيين كخيار مطروح، وظهر أنه ليس لعبة يتلهى بها الرأي العام الغربي في أطر مضبوطة تؤدي وظائف بعينها وكفى.

لقد كان الحادي عشر من سبتمبر الحدث الذي مزق الستار الشفاف الذي كانت تتخفى خلفه كتل الحقد العنصرية لتنجرف كالسيل حمماً وبراكين في فلسطين وفي الولايات

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ١٥٦٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ١٥٦٠