تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من ناحية أخرى فإن هذا الصراع في صورته العسكرية أو السلمية ليس لتأكيد هيمنة ثقافة على ثقافة أخرى، ولكن لتحقيق أهداف الدعوة والرسالة باعتبارها رسالة للعالمين، ليس بالإكراه والقسر والإجبار للشعوب والأمم، وعلى العكس فإن منطق صدام الحضارات في فكر هنتنغتون يعكس كل منطق التناقض بين عالمية الإسلام وبين هيمنة الحضارة الغريبة، أي عولمة النموذج الغربي. حيث إنه، أي فكر هنتنغتون، يعكس تكريساً لهذه الهيمنة وكيفية استمرار قوتها بأساليب إكراهية قسرية إجبارية.

إذاً إنَّ المفهوم الإسلامي عن نمط العلاقة بين الحضارات هو تعارف الحضارات "وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا"، وكذلك حوار الحضارات، حيث ينبني المفهوم الإسلامي عن حوار الحضارات على رؤية الأصول " قرآناً وسنة "، ويعكس الأسس المعرفية للرؤية الإسلامية، ومن ثم يختلف في جوهره عن المفهوم الغربي عن الحوار الثقافي أو الحضاري، كما لا بد وأنه يختلف في غاياته ودوافعه.

من هنا فقد سعت مجموعة الدول الإسلامية، وعبر إطارها التنظيمي، منظمة المؤتمر الإسلامي، إلى نبذها لقضية ما يسمى بصراع الحضارات انطلاقا من مبادئ دينها الحنيف الذي يدعو للتسامح والمحبة ونبذ العنف والتعصب، وذلك في أكثر من مناسبة داعية إلى إيجاد نوع من الحوار والتواصل بين الحضارات المختلفة، وقد عبرت عن ذلك في إعلان طهران مايو 1999، واجتماع واجادوجو يونيو1999، واجتماع باماكو يونيو2001 وكذلك اجتماع الدوحة أكتوبر 2001.

ملاحظات حول مقولة صدام الحضارات

إنَّ فرضية هنتنغتون في الصدام بين الحضارات تخفي داخلها فقراً فلسفياً واضحاً يبرز أولاً في رفضه فصل الثقافة عن الحضارة، واعتباره أنَّ الثقافة هي الفكرة العامة في كل تعريف للحضارة، ما انعكس بدوره على مفهومه عن الحضارة وربطه بالدين، وهذا خلل واضح إذ إنَّ استخدام مفهوم الحضارة، وبالتالي الدين بوصفه المؤشر الأساسي للتمييز بين أطراف الصراعات الرئيسية في عالمنا الحالي لا يساعد كثيراً في فهمنا لهذه الصراعات.

من جهة ثانية فقد أثبتت أحداث التاريخ أنَّ دور الحس الديني في الحضارة وفي الصراع وفي الحروب، وإن كان قائماً وفاعلاً، إلاَّ أنه ومن خلال تحليل المصالح وسياسات الدول والقوى الاقتصادية ومعطيات الجغرافيا السياسية فإن هذا الحس الديني يتدخل كعنصر " تغيير" لا كعنصر ثبات، وعنصر تغيير للحضارة نفسها ولتغيير هذا الحس على مستوى اللاهوت والعمل والسياسة والأخلاق.

وقد يقول قائل: لماذا لم يكن لهذا الحس أثر في الشرق الإسلامي؟ فذلك لأن هذا الحس قد غرق في فقه سلطاني ولم يأبه للتحولات الحاصلة في العالم لا من قريب ولا من بعيد.

إنَّ الأشكال الصراعية التي يصفها هنغتنتون بالصدامات بين الحضارات لا تعدو أشكالاً من الممانعات الثقافية وحركات الاحتجاج والرفض والحروب الأهلية الناتجة عن عجز الحضارة الغربية عن أن تصبح عالمية مستوعبة لتنوع العالم، وذلك بسبب

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ١٥٥٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ١٥٥٩