مسؤولية قسم التحليل والاستشراق في مجلس الأمن القومي الأمريكي، ليصوغ نظريته في صدام الحضارات متلقفاً خطى فرانسيس فوكوياما صاحب نظرية نهاية التاريخ التي ثبت تهافتها.
يقول هنتغتون: إنَّ " شعور الانتماء إلى حضارة معينة سوف يكون له شأن متزايد في المستقبل، وسوف يصوغ العالم إلى حد كبير التفاعل بين حضارات ست أو سبع هي الحضارات التالية: الحضارة الغربية، والحضارة الكونفوشيوسية، والحضارة اليابانية، والحضارة الإسلامية، والحضارة الأرثوذكسية، والحضارة اللاتينية ـ الأمريكية، وربما الحضارة الأفريقية. والصراعات المهمة القادمة سوف تقوم على طول الخطوط الثقافية التي تفصل بين هذه الحضارات ".
ويرى هانتنغتون أنَّ الفروق بين الحضارات هي فروق أساسية تتلخص في التاريخ واللغة والثقافة، والأهم الدين. فالدين مركزي في العالم الحديث، وربما كان هو القوة المركزية التي تحرك الناس وتحشدهم، وهذه الفروق الثقافية ليست قابلة للتبديل أو الحلول الوسط، ومع تحديد العلاقات المختلطة بمقياس ديني أو إثني فستنشأ تحالفات في صورة متزايدة تستغل الدين المشترك والهوية الحضارية المشتركة، وبناءً على ذلك سيحدث صدام بين الحضارات.
ولما كان هناك صدام عسكري يمتد عمره قروناً بين الغرب والإسلام فإنه ليس من المرجح أن ينحسر، وإذا أضفنا إلى ذلك التفاعل العنيف بين الحضارة الغربية والحضارة الكونفوشيوسية فإنه من الممكن أن ينشأ تحالف بين الحضارتين الإسلامية والكونفوشيوسية يهدد الحضارة الغربية، ويبشر بظهور صدام حضارات بين الغرب والبقية THE WEST AND THE REST على حد تعبيره، وبناءً على ذلك فإنه يخاطب الساسة الغربيين محذراً '' على الغرب أن يحد من توسيع القوة العسكرية لحضارات معادية محتملة، خصوصاً الكونفوشيوسية والإسلام''.
صدام الحضارات، لماذا؟
منذ القدم والثقافة الغربية محملة بأوهام كثيرة تجعل من الإسلام عدواً تاريخياً وتقليدياً للغرب، وليس مصدر هذه الأوهام دينياً وحسب، بل أضيفت إليه، وعلى مر الأيام والتاريخ، عوامل سياسية واقتصادية زادت في أثر هذا العامل الديني وجعلته يتخذ شكل خرافة ضخمة تستقر في أعماق الوعي الغربي.
وقد وجدت هذه الخرافة فرصتها الذهبية بعد سقوط الاتحاد السوفييتي من خلال البحث عن شيطان جديد يحل محل الشيطان القديم الذي ترك وراءه فراغاً عدوانياً لا مناص من ردمه. وكما هو معلوم فإن الذات تجد نفسها عن طريق الآخر. وقد كان واضحاً منذ الأيام الأولى لسقوط جدار الارتطام القديم، بحث الغرب عن آخر يواجهه ويقاومه ويشعر بذاته من خلال الصدام معه. ولم يكن هناك أفضل من الإسلام ليجسد هذا الآخر، ذلك أنه ومنذ القديم شكل الإسلام هذا الآخر.
وهكذا وجد العالم المتقدم من جديد في العالم الإسلامي البديل العدواني للاتحاد السوفييتي، وبدأت الخرافة القديمة بالانبثاق والظهور، وبدأت عمليات النسج الخرافي