تتفاوت تبعاً لتفاوت المعايير، الأمر الذي من شأنه أن يخلق تناقضات وإرباكات حادة عند الحديث عن صدام الحضارات أو حتى حوارها.
محاولة لتأصيل فكرة صراع الحضارات
أشار المؤرخ الفرنسي "بروديل" في كتابه الشهير "المتوسط والعالم"، إلى أنماط من الحضارات الحية أو الكامنة في حوض المتوسط في فصل بعنوان لافت: "الحضارات فردوس البشر وجحيمهم"، ويقول بروديل: "يحتوي المتوسط على ثلاث حضارات هائلة وثلاث مجموعات ثقافية وثلاثة أنماط أساسية في الاعتقاد والتفكير والعيش والأخلاق والمأكل ... متجسدة في ثلاث شخصيات لا نهاية لأقدارها، وكانت دائماً قائمة من قرون وقرون متجاوزة حدودها وحدود الدول التي لا تشكل إلاَّ لباساً لها ... الحضارة الأولى هي الحضارة الغربية، وعلى الأصح اللاتينية أو الرومانية ... الحضارة الثانية هي الحضارة العربية ـ الإسلامية، والغرب والإسلام يجمعهما تعارض عميق يقوم على التنافس والعداء والاقتباس، إنهما عدوان متكاملان الأول ابتكر الصليبية وعاشها، والثاني ابتكر الجهاد وعاشه.
في عام 1947 ألقى أرنولد توينبي محاضرة بعنوان "الصراع بين الحضارات"، وقد أعيد نشرها في مجلة هاربر لعدد إبريل 1947، ثم تضمينها في كتابه CIVILIZATION ON TRIAL ( الحضارة في الميزان)، ويمكن اعتبار هذه المحاضرة نصاً ثميناً مرجعياً في الوقت الحالي. فعلى الرغم من أفكارها العفوية والخواطرية بنى هانتغتون عليها نصه في المقال الذي نشر في مجلة FOREIGN AFFAIRS وأحدث ردوداً لم تنته بعد، وأعاد صوغها في كتابه الذي أصدره لاحقاً THE CLASH OF CIVILIZATIIONS ، والذي أخذ أبعاداً عالمية وتحول إلى ظاهرة.
وبالعودة إلى الأفكار الرئيسية التي قدمها توينبي في محاضرته، فقد اعتبر أنَّ الحادثة الكبرى والأهم في القرن العشرين، والتي سيقف عندها المؤرخون كثيراً في القرون القادمة هي حادثة اصطدام الحضارة الغربية بسائر المجتمعات الأخرى القائمة في العالم، وتنبع أهمية هذا الحدث في رأيه من أنه الخطوة الأولى نحو توحيد العالم في مجتمع واحد، وذلك عن طريق تحطيم التراث الاجتماعي الإقليمي للحضارات الأخرى عند اصطدامها بالتراث الاجتماعي الغربي، وإن نوعية وفرادة هذا التوحد الاجتماعي للعالم لا تكمن أو تتمثل في ميدان الفنون الصناعية والاقتصادية، ولا في ميدان الحرب والسياسة، وإنما تتمثل في ميدان الدين.
ويتابع أنَّ الديانات الأربع الكبرى ذات الرسالة العالمية التي تقوم اليوم في العالم: المسيحية، الإسلام، والهندوسية، والبوذية الماهايانية التي تسود في الشرق الأقصى، هي من الناحية التاريخية ثمرة الصراع الذي دار بين الحضارة اليونانية ـ الرومانية ونظيراتها المعاصرة.
إذاً ينظر توينبي إلى تاريخ الحضارات على أنه صراع بين الحضارات، وأن هذه الحضارات إنما تقوم على الدين كمعتقد رئيسي ومرجع أساسي في قيام الحضارة.
بعد ذلك يأتي الأمريكي صموئيل هنتنغتون، وهو مدير معهد جون أولوين للدراسات الاستراتيجية في جامعة هارفرد، وقد أسندت إليه ما بين عامي 1977 - 1978