الثاني: أن الحضارات لا يقارن بينها بالمقياس المادي، ولا بالكمية في الأعداد والمساحات، ولا بالترف المادي في المعيشة والمأكل والملبس، وإنما يقارن بينها بالآثار التي تتركها في تاريخ الإنسانية، شأنها في ذلك شأن المعارك والممالك، فهي لا تقارن بينها بسعة الرقعة ولا بحساب العدد، والمعارك الفاصلة في التاريخ القديم والوسيط لو قيست بمعارك الحرب العالمية الثانية من حيث أعداد الجيوش ووسائل القتال لكانت شيئًا تافهًا، ولكنها لا تزال تعتبر معارك لها قيمتها البالغة في التاريخ لما كان لها من الآثار البعيدة.
إن معركة " كاني" التي هزم فيها القائد القرطاجي الشهير " هنيبال " الرومانيين هزيمة منكرة لا تزال من المعارك التي تدرّس في المدارس العسكرية في أوروبا حتى الآن. وإن معارك خالد بن الوليد في فتوح العراق والشام لا تزال محل دراسة العسكريين الغربيين وإعجابهم، وهي عندنا من الصفحات الذهبية في تاريخ الفتوحات العسكرية في حضارتنا. ومع هذا فما كان قدم معركة كاني أو معركة بدر أو معركة القادسية أو حطين ليحول دون النظر إليها على أنها معارك فاصلة في التاريخ.
===================
صراع الحضارات في سجاله وتجلياته
(الشبكة الإسلامية) - غازي دحمان
بدأ الحديث عن صدام أو صراع الحضارات يشغل بال الكثيرين من الاستراتيجيين والمهتمين بالشأن الدولي وبمسألة العلاقات الدولية تحديداً، حيث بات يشغل جزءاً كبيراً من المساحات الإعلامية ـ المقروءة والمكتوبة ـ المخصصة لمعالجة القضايا الدولية، وصار أحد أهم القضايا الكبرى التي تشغل بال المفكرين وصناع القرار في مختلف أنحاء العالم، وخاصة بعد أحداث 11 سبتمبر في نيويورك وواشنطن والتداعيات المرافقة لها.
فما هي حقيقة هذا الصراع، وما هي منطلقاته، وما هو موقف الإسلام منه، وكذلك ما هي تداعياته المتوقعة؟
ما معنى الحضارة؟
لا شك أنَّ المصطلحات الرائجة في هذا الحقل مثل المدنية والثقافة والحضارة غير محددة، وللحضارة وحدها تعاريف كثيرة جداً ... وإذا اكتفينا بما تلقيه كلمة الحضارة في الأذهان وهو تقدم المجتمع البشري ... فهل تقدم المجتمعات البشرية في الحقول المادية هو حضارة؟ هناك من يرفض ذلك، ولعل المنطق القرآني يرفضه أيضاً. فالبناء المادي مرفوض إذا لم يكن قائماً على أساس معايير إنسانية أو على معايير التقوى بالتعبير القرآني: (أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون، وإذا بطشتم بطشتم جبارين، فاتقوا الله وأطيعون) [الشعراء 128 - 131]. فالقوة المادية تكون سبب البطش والتجبر إذا لم تكن مقرونة بقيم ذات رصيد ديني.
وليس بعيداً عما سبق ذكره، فإنه ليس ثمة إجماع على مفهوم الحضارة، فضلاً عن أنَّ بعضهم يماهي بين هذا المفهوم وبين مفهوم الثقافة، كما أنَّ تصنيفات الحضارة