نعرف أن حضارتنا تنفرد في التاريخ بأن الذي أقامها دين واحد ولكنها كانت للأديان جميعًا.
خاتمة
هذه هي بعض خصائص حضارتنا وميزاتها في تاريخ الحضارات، ولقد كانت بذلك محل إعجاب العالم، ومهوى أفئدة الأحرار والأذكياء من كل جنس ودين، يوم كانت قوية تحكم وتوجه وتهذب وتعلم، فلما انهارت وقامت من بعدها حضارة أخرى، اختلفت الأنظار في تقدير قيمة حضارتنا، فمن مزرٍ بها ومن معجب، ومن متحدث عن فضائلها، ومن مبالغ في الانتقاص منها، هكذا تختلف أنظار الباحثين الغربيين اليوم في حضارتنا، وما كانوا ليفعلوا ذلك لولا أنهم وهم الذين بيدهم مقاييس الحكم وعنهم تؤخذ الآراء، هم الأقوياء الذين يمسكون بدفة الحضارة اليوم، وإن الذين يُحكم عليهم وعلى حضارتهم هم الضعفاء الذين تتطلع أبصار الأقوياء إلى استلاب خيراتهم وحكم بلادهم بشره وجشع، ولعله هو موقف القوي من الضعيف يزري به وينتقص قدره. كذلك فعل الأقوياء في كل عصور التاريخ، إلا نحن يوم كنا أقوياء فقد أنصفنا الناس قويهم وضعيفهم، وعرفنا الفضل لأهله شرقيهم وغربيهم، ومن مثلنا في التاريخ، عدالة حكم، ونزاهة قصد، واستقامة ضمير؟
ومن المؤسف أننا لم ننتبه تمامًا لعصبية الأقوياء ضدنا وجورهم في الحكم على حضارتنا، وكثير منهم إما متعصب لدين أعمت العصبية بصره عن رؤية الحق، أو متعصب لقومية حمله كبرياء القومية على أن لا يعترف لغير أمته بالفضل، ولكن ما عذرنا نحن في تأثرنا بآرائهم في حضارتنا؟ فيم يزري بعض الناس من أبناء أمتنا بهذه الحضارة التي ركعت الدنيا أمام قدميها بضعة قرون؟
لعل حجة المستخفين من قومنا بقيمة حضارتنا أنها ليست شيئًا إذا قيست بروائع هذه الحضارة الحديثة واختراعاتها وفتوحاتها في آفاق العلم الحديث، وهذا لو صح لا يبرر الاستخفاف بحضارتنا لسببين:
الأول: أن كل حضارة فيها عنصران: عنصر روحي أخلاقي، وعنصر مادي. أما العنصر المادي فلا شك في أن كل حضارة متأخرة تفوق ما سبقها، تلك هي سنة الله في تطور الحياة ووسائلها، ومن العبث أن تطالب الحضارة السابقة بما وصلت إليه الحضارة اللاحقة، ولو جاز هذه لجاز لنا أن نزري بكل الحضارات التي سبقت حضارتنا، لما ابتدعته حضارتنا من وسائل الحياة ومظاهر الحضارة ما لم تعرفه الحضارات السابقة قط، فالعنصر المادي في الحضارات ليس هو أساس التفاضل بينها دائمًا وأبدًا.
أما العنصر الأخلاقي والروحي فهو الذي تخلد به الحضارات، وتؤدي به رسالتها من إسعاد الإنسانية وإبعادها عن المخاوف والآلام، ولقد سبقت حضارتنا كل الحضارات السابقة واللاحقة في هذا الميدان، وبلغت فيه شأوًا لا نظير له في أي عصر من عصور التاريخ، وحسب حضارتنا بهذا خلودًا.
إن الغاية من الحضارة هي أن تقرب الإنسان من ذروة السعادة، وقد عملت لذلك حضارتنا ما لم تعمله حضارة في الشرق والغرب.