تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3 - مراعاة المبادئ الأخلاقية تشريعًا وتطبيقًا

- وثالث خصائص حضارتنا أنها جعلت للمبادئ الأخلاقية المحل الأول في كل نظمها ومختلف ميادين نشاطها، وهي لم تتخل عن هذه المبادئ قط، ولم تجعل وسيلة لمنفعة دولة أو جماعة أو أفراد، ففي الحكم وفي العلم وفي التشريع وفي الحرب وفي السلم وفي الاقتصاد وفي الأسرة، روعيت المبادئ الأخلاقية تشريعًا وتطبيقًا، وبلغت في ذلك شأوًا ساميًّا بعيدًا لم تبلغه حضارة في القديم والحديث، ولقد تركت الحضارة الإسلامية في ذلك آثارًا تستحق الإعجاب وتجعلها وحدها من بين الحضارات التي كفلت سعادة الإنسانية سعادة خالصة لا يشوبها شقاء.

4 - الحضارة الإسلامية حضارة تؤمن بالعلم في أصدق أصوله، وترتكز على العقيدة في أصفى مبادئها

- ورابع هذه الخصائص أنها تؤمن بالعلم في أصدق أصوله، وترتكز على العقيدة في أصفى مبادئها، فهي خاطبت العقل والقلب معًا، وأثارت العاطفة والفكر في وقت واحد، وهي ميزة لم تشاركها فيها حضارة في التاريخ.

وسر العجب في هذه الخاصة من خصائص حضارتنا أنها استطاعت أن تنشئ نظامًا للدولة قائمًا على مبادئ الحق والعدالة، مرتكزًا إلى الدين والعقدية دون أن يقيم الدين عائقًا ما دون رقي الدولة واطراد الحضارة، بل كان الدين من أكبر عوامل الرقي فيها، فمن بين جدران المساجد في بغداد ودمشق والقاهرة وقرطبة وغرناطة انطلقت أشعة العلم إلى أنحاء الدنيا قاطبة.

إن الحضارة الإسلامية هي الوحيدة التي لم يُفصل فيها الدين عن الدولة مع نجاتها من كل مآسي المزج بينهما كما عرفته أوروبا في القرون الوسطى.

لقد كان رئيس الدولة خليفة وأميرًا للمؤمنين، لكن الحكم عنده للحق والتشريع للمختصين فيه، ولكل فئة من العلماء اختصاصهم والجميع يتساوون أمام القانون، والتفاضل بالتقوى والخدمة العامة للناس " والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها " (رواه البخاري ومسلم)، " الخلق كلهم عيال الله فأحبهم إليه أنفعهم لعياله " (رواه البزار). هذا هو الدين الذي قامت عليه حضارتنا، ليس فيه امتياز لرئيس ولا لرجل دين ولا لشريف ولا لغني (قل إنما أنا بشرٌ مِثلُكم) [الكهف: 110].

5 - التسامح الديني العجيب

- وآخر ما نذكره من خصائص حضارتنا هذا التسامح الديني العجيب الذي لم تعرفه حضارة مثلها قامت على الدين. إن الذي لا يؤمن بدين ولا بإله لا يبدو عجيبًا إذا نظر إلى الأديان كلها على حد سواء، وإذا عامل أتباعها بالقسطاس المستقيم، ولكن صاحب الدين الذي يؤمن بأن دينه حق وأن عقيدته أقوم العقائد وأصحها، ثم يتاح له أن يحمل السيف، ويفتح المدن، ويستولي على الحكم، ويجلس على منصة القضاء، ثم لا يحمله إيمانه بدينه، واعتزازه بعقيدته، على أن يجور في الحكم، أو ينحرف عن سنن العدالة، أو يحمل الناس على اتباع دينه. إن رجلاً مثل هذا لعجيب أن يكون في التاريخ، فكيف إذا وجد في التاريخ حضارة قامت على الدين وشادت قواعدها على مبادئه ثم هي من أشد ما عرف التاريخ تسامحًا وعدالة ورحمة وإنسانية! وحسبنا أن

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ١٥٥٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ١٥٥٣