تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في الأدبيات التي تأسست عليها الحضارة الغربية يرجع في أحد روافده إلى الفكر الاقتصادي الوضعي الغربي الذي أكد على ندرة الموارد وتزايد الحاجات البشرية على نحو تعجز معه الموارد على الوفاء بهذه الحاجات.

وأما فكرة المنفعة فهي فكرة نشأت في حقل الأدبيات الفكرية الاقتصادية، في محاولة لتبرير الملكية ورأس المال وتحولات البرجوازية الأوروبية نحو التجارة ثم الصناعة، وجهود تعظيم الربح وتقليل الإنفاق .. إلخ. وكانت هذه الفكرة التي خط ملامحها المفكر جيريمي بنثام أساسا لنشأة مفهوم البراجماتية الذي مثَّل أحد أهم روافد بناء التشكيل الحضاري الغربي. كما أن نفس الفكرة: المنفعة، مثلت البيئة التي نما فيها مفهوم الرشادة أو العقلانية التي استند إليها بعض المفكرين في تدشينهم لمفهوم حقوق الإنسان.

فالحالة التعاقدية جماع ذلك كله، كما أنها في النهاية التجسيد الملموس لمفهوم الحق. فالترجمة العملية لأية حالة تعاقدية تتمثل فيما يترتب على العقد من حقوق على طرف والتزامات على طرف آخر في نفس العقد.

الطرح الإسلامي: التمايز والتميز:

أشرنا من قبل لحالة بعض المفكرين المسلمين الذين سارعوا إلى تقليد الغرب وأعلنوا أن الإسلام لديه منظومة حقوق إنسان كما لدى الغرب، وأن حقوق الإنسان في الإسلام لا تقلُّ ألبتة في نطاقها وفي قيمتها عن حقوق الإنسان في الفكر الغربي. من السهل أن نحذو حذو هؤلاء المفكرين، الذين اصطلح عدد غير قليل من المفكرين على تسميتهم بالمفكرين الاعتذاريين، ومن ثم نؤكد بأغلظ الأيمان على احتواء الإسلام على حقوق إنسانية مماثلة للحقوق الواردة في المواثيق والإعلانات الغربية لحقوق الإنسان.

بل من السهل علينا أيضا أن نقول: إن أسس حقوق الإنسان في الإسلام تعاقدية كما في الغرب .. فالإسلام كله تعاقد على التسليم لله رب العالمين في مقابل الجنة.

ومن السهل أن نقول: إن المنفعة أيضا أساس إسلامي للحقوق، ونلبس نظريات المقاصد والمصالح في الفقه الإسلامي وأصوله لباس نظرية المنفعة بدلالتها الأدنى في الفكر الغربي.

ويمكن من باب المزايدة أن نقول: إن الصراع أحد الأسس التي يحفل بها الإسلام ملبسين في هذا الإطار نظرية التدافع لباس نظرية الصراع.

يمكننا أن نفعل هذا كله، لكن لن نفعل لأسباب وجيهة. فإن لم يكن الوقت قد أسعف إخواننا المفكرين الاعتذاريين ليراجعوا كنزهم القرآني؛ فإن الوقت قد فسح أمامنا لنبحث في هذا الكنز، ولنخرج منه بما هو أرقى من طرح الغرب في مجال حقوق الإنسان.

إن محاولات مفكري الإسلام إثبات أن الإسلام ليس أدنى من الحضارة الغربية أدت بهم إلى أن استوردوا المنظومة القيمية الغربية، وقاموا بطلائها بلون إسلامي - إن جاز التعبير- وفاتهم أن المفاهيم مرتبطة بأسسها الفلسفية، وأن محاولة استيراد النموذج الغربي بأسسه الغربية ستؤدي بنا، وقد أدت بالفعل، إلى استمرار الاعتماد

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ١٥٣٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ١٥٣٨