على الاستيراد الفكري من الآخر، ومن ثم قادت أمتنا العربية والإسلامية إلى حالة من التبعية الثقافية، ناهيك عن أثر المنظومة الحقوقية المستوردة في إحداث التفرق والصراع الاجتماعي. كما أن هذا الاستيراد حرمنا من أن نبني منظومتنا الخاصة، وحرم الغرب من مشعل حضاري هو اليوم في مسيس الحاجة إليه بعدما وصل إليه من تفسخ اجتماعي.
لا يمكننا أن ننكر أن في الإسلام حقوقًا تضارع حقوق الغرب إن لم تتفوق عليها كما قال الاعتذاريون، لكن ليس معنى هذا أن نجعل الغرب هو المعيار الذي نقلده، فنخيط أزياءنا على معاييره وطرازه. إن القضية أشبه بقضبان قطارين: منطلقهما مختلف، وغايتهما مختلفة، ولكن تقاطعت مساراتهما ومحطاتهما في بعض الأحيان، لكن هذا لا يعني أنهما بنفس المسار. وقد كان ذاك هو الخطأ الذي وقع فيه أساتذتنا الاعتذاريون الذين لا ننكر جهدهم واجتهادهم. فتوحد المسارات والمحطات أحيانًا لا يعني التشابه ناهيك عن التطابق. فالبون شاسع. ولكن كيف؟.
من التعاقد إلى التراحم:
لست هنا بصدد أن أضع ثنائيات متقابلة طرفها الأول غربي والطرف الآخر إسلامي، فليس الأمر كما يشي به هذا العنوان الفرعي، لكن أحاول هنا أن أرسم ملامح صورة مقارنة بين البناء الإسلامي المستقل عن البناء الغربي، البناء المستقل في الأسس والمنطلقات، وفي أسلوب البناء، وفي الغاية من هذا البناء.
وبداية أقول: إن الفارق الأساسي بين الطرح الإسلامي والطرح الغربي في بناء مفهوم حقوق الإنسان تتمثل في المفارقة بين مفهومي الصراع والإيمان. فأساس مفهوم حقوق الإنسان في الغرب هو الصراع .. سواء أكان الصراع مؤسِّسًا للحالة الحقوقية أم أسلوبًا لممارستها. فحقوق الإنسان تأسست في الغرب بسبب حالة صراع الجميع ضد الجميع، وممارسة الحالة الحقوقية الغربية تعتمد كذلك على الصراع بين الحقوق وبعضها. فحقوق المرأة لم تتحقق ولم تتأسس إلا عبر صراع المرأة مع الرجل، وهكذا.
أما في الإطار الإسلامي فإن الإيمان كان الأساس الذي بنيت عليه المنظومة الحقوقية الإسلامية، فالإيمان ولّد مفهوم الأخوة والتراحم. قال الله تعالى: (إنما المؤمنون إخوة) (الحجرات: 10)، وقال تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) (الأنبياء: 107). فالآية الأولى تستلزم التراحم لصون علاقة التآخي بين المسلمين. والآية الثانية مدَّت نطاق هذا التراحم للعالمين، على اعتبار أن هذه الأمة أمة دعوة ورحمة لا أمة منغلقة على رسالتها.
من الحق إلى الواجب:
كان لفضيلة الشيخ محمد الغزالي رحمه الله تعالى نظرة ثاقبة في بحث قضية الحقوق هذه، حيث أكد في إحدى كتاباته على أن الإسلام لم يعالج قضية الحقوق كما عالجها الغرب، فالغرب وضع للناس حقوقا في مواجهة بعضهم، فتحولت العلاقات الإنسانية إلى تناقض مصلحي، ومن ثم إلى تنافس بل صراع، بينما صاغ الإسلام حقوق الناس