وربما يكون من المناسب أن نحاول النظر إلى المشهد الحالي في مجال الفكر التاريخي العربي قبل الخوض في تفاصيل الإجابة عن السؤال الذي يشي بأن ثمة أزمة تكمن وراء السؤال , فقد مر البحث التاريخي العربي، بتطورات كثيرة منذ بدأ الأجانب والدراسات التاريخية في جامعة القاهرة قبل ما يزيد على ثلاثة أرباع القرن , فقد قام عدد من المؤرخين المصريين والعرب الرواد بتعريب الدراسة التاريخية , وتخرجت أعداد كبيرة من الباحثين العرب لم يلبثوا أن أسسوا الأقسام الأكاديمية في الجامعات العربية، التي توالت في الظهور في شتى أرجاء الوطن العربي، وتكاثرت الدراسات والبحوث التي حققت قدراً متوازناً من تطور الفكر التاريخي العربي.
وقد أدت هذه الزيادة الكمية إلى تغير نوعي وكيفي في مجال الدراسات العربية حقاً , ولكن روح التفرق وعدم التنسيق وغياب مشروع عربي متكامل لإصدار الكتب والموسوعات التي تحمل القراءة العربية للتاريخ، حالت دون الإفادة الكاملة من هذه الزيادة الكمية والتغير النوعي النسبي.
والمنطقة العربية حافلة بأقسام التاريخ، كما أن أعداداً متزايدة من الجمعيات المهتمة بالدراسات والبحوث التاريخية قد نبتت على أرض الواقع الأكاديمي العربي، وهذه نقطة إيجابية يجب أن نضعها في الحسبان، ومن ناحية أخرى فإن عملية تعريب الدراسات التاريخية في العالم العربي تمت أحياناً بنجاح كبير في بعض الفروع , وبنجاح جزئي في فروع أخرى , على حين بقيت فروع قليلة أسيرة تماماً للمفاهيم والمصطلحات والمنظور الأوربي – الأمريكي ..
وهذه نقطة إيجابية ثانية كذلك , فإن عدد المؤرخين العرب الفاهمين لحقيقة الوظيفة الثقافية الاجتماعية للدراسة التاريخية يزداد بشكل مطرد، وهذه نقطة إيجابية ثالثة، فضلاً عن أن البحث والدراسات التاريخية التي قام بها المؤرخون العرب قد نجحت إلى حد ما في إحداث شرخ في الصورة التي رسمتها القراءة الصهيونية الاستشراقية لتاريخ العرب والحضارة العربية، وهذه نقطة إيجابية رابعة، والأهم من هذا كله أن عدداً متزايداً من المؤرخين المسلمين والعرب قد نجحوا في كسر الاحتكار اليهودي الصهيوني لدراسة الحضارة العربية الإسلامية في الجامعات الأوربية والأمريكية، وهذه نقطة إيجابية خامسة.
هذه النقاط الإيجابية في المشهد، وغيرها لا تنفي وجود النقاط السلبية المتمثلة في سيادة المفهوم الأوربي في تقسيم العصور التاريخية حتى الآن، وفي تسلط المصطلحات الأوربية التي تخدم القراءة الأوروبية التي تصطدم بالضرورة مع القراءة العربية للتاريخ العربي، فضلاً عن تخلف وسائل أعداد الباحثين والمؤرخين العرب، وضآلة الموارد المالية المخصصة لتعليمهم ..
ومن ناحية أخرى، فإن الخصومة القائمة بين معظم الحكام العرب والبحث العلمي وأهله، قد جعلت مسألة البحث العلمي مسألة مظهرية شكلية في كثير من الأحيان، ولم يكن البحث التاريخي استثناء في ذلك بطبيعة الحال، انظر إلى ميزانيات البحث العلمي في العالم العربي , وقارنها بميزانية البحث العلمي في دولة الكيان الصهيوني مثلا .. ومثلما يفتقر العرب حالياً إلى التنسيق في كثير من أمور حياتهم على