ولم يكن الأمر مجرد دعاية سيئة يمكن علاجها بالمفاهيم الإعلامية السطحية، كما يظن الجهابدة من أصحاب القرار، وإنما كان قراءة التاريخ لخدمة الأهداف الصهيونية الآنية والمستقبلية , ولأن هذه القراءة تمت بشكل منهجي ومدروس تنفيذاً لوصية "هرتزل " بإحداث أكبر قدر من الضجة حول القضية اليهودية (من خلال الفن والتاريخ) فإنها تركت أثارها السلبية حتى في أوساط المؤرخين العرب، ومازلنا نعاني من هذه الآثار حتى الآن.
وكانت الظروف التاريخية الموضوعية مواتية تماماً لسيادة هذه القراءة الصهيونية في دوائر الغرب الأوربي والأمريكي , وانتقال بعض انعكاساتها على أفكار ومفاهيم نفر من المؤرخين العرب (الحرفيين) ..
حقيقة أن عدداً من المؤرخين العرب الفاهمين قد عملوا على (تعريب) الدراسة التاريخية منذ وقت مبكر، وفي العقود الأولى من القرن العشرين، لكن آذان أوربا وأمريكا كانت مفتوحة وراغبة في الاستماع إلى القراءة الصهيونية للتاريخ منذ القرن التاسع عشر , ذلك أن الفترة التي نشط فيها المؤرخون العاملون في خدمة الحركة الصهيونية جاءت في أعقاب فترة نشط فيها المؤرخون الأوربيون والأمريكيون، تحت مظلة الاستشراق لدراسة تاريخ الحضارة العربية الإسلامية، وتاريخ المسلمين والعرب، انطلاقا من روح العداء للدولة العثمانية بسبب حروب المورة اليونانية التي تطوع فيها كثير من الأوربيين والأمريكيين للقتال إلى جانب اليونانيين ضد الأتراك العثمانيين , باعتبارهم أصحاب حضارة الغرب الكلاسيكية.
(وبالمناسبة كانت تلك هي الفترة التي ظهرت فيها موجة العداء للسامية، والتي كانت موجهة ضد العرب والمسلمين واليهود، ثم حولتها الدعاية الصهيونية إلى أداة ابتزاز لصالح الحركة الصهيونية).
والناظر في تراث هذه الفترة سيجد أن البحوث والدراسات التاريخية التي خرجت في هذه الفترة، كانت في الغالب الأعم نوعاً من القراءة الانتقامية التي تحرض أبناء الغرب ضد المسلمين , والعرب بشكل عام , وكانت تلك فرصة ذهبية لم يتوان المؤرخون الصهاينة في استغلالها , والسير على نهج مؤرخي الفترة الاستعمارية الأوربية في قراءة أو تفسير تاريخ الحضارة العربية الإسلامية.
ومن ناحية أخرى كانت الظروف التاريخية الموضوعية مواتية للقراءة الصهيونية لأن الدراسات التاريخية العربية الحديثة كانت لا تزال فرخاً من أفراخ الدراسة التاريخية الأوربية، إذ كان رؤساء قسم التاريخ بالجامعة المصرية ـ أولى الجامعات العربية – من الأوربيين حتى سنة 1936م وكان طبيعياً أن تسود المفاهيم التاريخية من وجهة نظر المؤرخين الأوربيين في الدراسات التاريخية العربية الناشئة، وكانت النتيجة الحتمية أننا صرنا نقرأ التاريخ العربي بعيون أوربية وأمريكية معادية، أو منحازة في أحسن الأحوال.
هذه الحقيقة التي نعرفها هي التي استوجبت طرح السؤال حول ضرورة إعادة قراءة تاريخنا أو إعادة تفسيره من منظور عربي.
تعريب الدراسات التاريخية: