أما ما نسميه (كتابة التاريخ) فهي في الواقع عملية تسجيل جزئية للأحداث التاريخية, سواء كان هذا التسجيل قد تم في كتب المؤرخين وحولياتهم، أو في الوثائق بأنواعها المختلفة، أو في النقوش والمسكوكات، أو غيرها من المصادر التاريخية المعروفة ..
ولا يمكن لأحد أن يزعم أن كل ما حدث في التاريخ قد تم تسجيله بالفعل، ومن ثم فإن مهمة المؤرخ، أو الباحث في التاريخ، أن يحاول استقراء مصادره بشهاداتها الجزئية لاسترداد صورة الحادث من ذمة الماضي , وإعادة بنائها بكل الوسائل المنهجية أولاً، ثم محاولة الفهم والتفسير ثانياً، وعندما يصل البحث إلى نتيجة معينة يمكن استخدام حصاد البحث لخدمة أهداف الجماعة الإنسانية في الحاضر والمستقبل، هذه العملية ثلاثية المراحل هي ما نسميه قراءة التاريخ أي تفسيره وليست كتابته ..
ومن هنا يمكن أن نفهم السبب في أن العصور المختلفة تشهد (قراءات مختلفة) لتاريخ الجماعة الإنسانية، قبيلة أو شعباً أو أمة، ففي كل مرحلة تتم (قراءة) جديدة للتاريخ تسلط فيها الأضواء على جوانب معينة , وعناصر محددة من التاريخ , يمكن أن تساعد المجتمع على التعامل مع حاضره بشكل أكثر نجاحاً ..
فقبل عصور الديمقراطية والاشتراكية مثلاً كان التركيز في قراءة التاريخ على دور القصر, ودور البطل؛ ترسيخاً لفكرة الحكم الفردي، ولكن ما حدث بعد ذلك، لا سيما بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وشيوع الأفكار الديمقراطية والاشتراكية، أن بدأ البحث التاريخي يهتم بتسليط الضوء على التاريخ الاجتماعي ودور العمال والفلاحين، وتواريخ المدن , وما إلى ذلك؛ تكريساً لفكرة حق الشعوب في حكم نفسها بنفسها ..
وما حدث في العالم العربي أثناء فترة الستينيات وما بعدها، حيث تم التركيز على جوانب بعينها من تاريخ مصر والمنطقة العربية تتعلق بالطبقة العاملة أو الفلاحين، أو الطبقات الاجتماعية بشكل عام، فضلاً عن دراسة الأنشطة الشعبية والحركات الثورية – وهذا كله يمكن أن يكون مثالاً ثانياً على تعدد القراءات للتاريخ الذي يخص شعباً أو أمة من الأمم في فترات متعددة من تاريخها.
وإعادة قراءة التاريخ ليست تزويراً للتاريخ بأي حال من الأحوال، وإنما هي تأتي في سياق الوظيفة الثقافية الاجتماعية للتاريخ , باعتباره ممارسة فكرية في خدمة الحاضر ..
ومن المهم أن نشير في هذا الصدد إلى أن الجماعات الإنسانية لا يمكن أن تستمر في الاحتفاظ بأي ممارسة ثقافية أو اجتماعية، ما لم تكن لها فائدة تعود على الجماعة بشكل إيجابي.
وبالتالي فإن عملية إعادة قراءة التاريخ تهدف إلى البحث عن العناصر التي ينبغي تسليط الضوء عليها لخدمة الحاضر , واستشراف آفاق المستقبل , وليس المقصود هنا أن قراءة التاريخ ـ أي تفسيره ـ يمكن أن تكون عملية تنبؤية ساذجة، وإنما المقصود أن القراءة المعادة للتاريخ يمكن أن تسلط الضوء على عناصر بعينها تكون إلهاماً , وحافزاً على الفعل التاريخي في الحاضر والمستقبل , وبعبارة أخرى تجعل