تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ليس ثمة معنى للتعامل مع التاريخ بمفهوم الحكاية ومنطق السرد، أو اعتبار المعلومات التاريخية، حلية تزدان بها الرءوس الفارغة، ويتم التباهي بها في مجال السمر، أو وسيلة يتمكن صاحبها من الفوز في مسابقات الصحف والتلفزيون فحسب.

ولم تكن هذه أبداً وظيفة التاريخ منذ بداية المعرفة التاريخية التي توسل بها الإنسان لمعرفة ذاته، إذ إن المعرفة التاريخية والرغبة في معرفة الماضي تكاد ترقى إلى مستوى الغريزة لدى الإنسان، على مستوى الجماعة، وعلى مستوى الفرد على السواء، فالتاريخ بمعناه الواسع، هو قصة الإنسان في الكون، وتفاعله مع الطبيعة على مر الزمان، وهو في هذا يشبه نهراً يتدفق من المنبع إلى المصب، من بداية الوجود الإنساني حتى اللحظة الراهنة، يحمل كل تفاصيل رحلة الإنسان - التي لم تنته بعد – عبر الزمان.

ومن هنا يبدو السؤال المطروح سؤالاً ذا مشروعية علمية: هل هناك ضرورة لإعادة كتابة تاريخنا؟ وربما يكون التحفظ الوحيد من جانبي أن السؤال ينبغي أن يكون: هل هناك ضرورة لإعادة قراءة تاريخنا؟ إن إعادة قراءة تاريخنا – أي إعادة تفسيره – هي التي ينبغي أن تكون محلاً لهذا السؤال المهم في تصوري ..

وسأحاول في الصفحات والسطور التالية أن أبين الأسباب التي دعتني إلى اقتراح هذه الصيغة للسؤال، ومن ناحية أخرى، فإن السؤال يحمل دلالة ضمنية بأن التاريخ يتعلق بالحاضر أكثر مما يتعلق بالماضي , فنحن نطرح السؤال بسبب الظروف التي تحيط بنا حاليا.

هذا المدخل يؤدي بنا بالضرورة إلى عدة أسئلة تتعلق بالبحث في التاريخ العربي كيف يمكن التعامل؟ هل نعتبره قصة تحكي لنا عن الماضي المجيد على نحو يدغدغ فينا مشاعر الزهو الكاذبة بإنجازات وانتصارات لم يكن لنا ـ نحن أبناء الحاضر العربي التعس – فضل في تحقيقها؟

وهل نكتفي بقراءة هذا التاريخ من منطلق نفسي تعويضي يقول: (نحن كنا) في زمن نكاد نعجز فيه عن (أن نكون)؟!!

وهل يمكن للقراءة الجزئية المبتسرة لتاريخ كل دولة عربية أن تغني عن إعادة القراءة عن مفهوم الكل العربي؟ أم أن هذه القراءة الجزئية تعبير وانعكاس لحالة التشردم والعجز العربي في مواجهة العدوان الصهيوني والأمريكي على جبهات عديدة؟

وهل نستسلم لما تشيعه (القراءة الصهيونية) لتاريخنا وتاريخ الحضارة العربية الإسلامية بالشكل الذي يخلط الحقائق التاريخية بالأوهام الأسطورية والغيبيات الدينية؟

ويمكن الاسترسال في هذه الأسئلة وما تفرع عنها بالضرورة إلى ما لا نهاية , بيد أننا يجب أن نتوقف قليلاً أمام حقيقة مهمة مؤداها أن التاريخ يحدث مرة واحدة , وتتعدد المرات التي تتم فيها قراءته أو تفسيره ما دامت الجماعة الإنسانية بحاجة إلى تجديد وعيها بتاريخها، أي وعيها بذاتها، إذ إن الأحداث التاريخية هي المادة الخام التي يتناولها المؤرخ بمنهجه العلمي وأدواته البحثية، لكي يفهمها ويحلل عناصرها المركبة ..

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ١٥١٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ١٥١٤