وكانت حركة الانتقال المتاحة بين العواصم الإسلامية (دون جوازات سفر أو تأشيرات دخول وخروج)، كانت هذه الحركة الانتقالية التي غلب عليها طابع البعثات والرحلات العلمية، من أبرز العوامل في إذكاء روح النشاط الثقافي.
وهي ظاهرة عامة في العالم الإسلامي كله خلال هذه العصور بدرجات متفاوتة بين شعوب وحكومات هذا العالم، ولربما كانت هذه الظاهرة أقوى في عالمي المغرب والأندلس عنها في المشرق، نظرًا لشعور أبناء المشرق بأنهم المصدر والأصل الذي يجب أن تشد إليه الرحال ويسعى إليه، وأيضًا لشعور المغاربة بمكانة إخوانهم (المشارقة) في الحضارة الإسلامية.
لقد كانت حدود الأقاليم غير ذات أهمية وهي لم تمثل حاجزًا أو فاصلاً بين العلماء والأدباء والكتاب والشعراء، بل كانت الأفكار في العالم الإسلامي متصلة كما تعكس تقاربًا ثقافيا يعتبر خصيصة كبرى من خصائص الحضارة الإسلامية في عصور الازدهار.
وفي الموسوعات العلمية الكبرى لهذه القرون تأكيد واضح لبروز هذه الظاهرة ودورها الإيجابي في خلق وحدة فكرية في العالم الإسلامي كله، فابن بسام يفرد القسم الرابع من موسوعته "الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة" (القسم الرابع من المجلد الأول)، لمن هاجر إلى الجزيرة "أي الأندلس" من الآفاق وطرأ عليها من شعراء الشام والعراق، ويشتمل هذا القسم على تراجم لهؤلاء الرحالة الشعراء في القرن الخامس الهجري، وحتى وفاة ابن بسام سنة 542هـ قريبًا من منتصف القرن السادس الهجري.
والمقري صاحب موسوعة "نفح الطيب" يورد لنا نحوًا من مائتين وخمسين ترجمة لمن رحلوا عن الأندلس إلى المشرق من العلماء والأدباء والفقهاء، ويورد لنا أيضًا قريبًا من خمس وسبعين ترجمة لمن رحلوا من المشرق إلى الأندلس.
وفي كتاب "الصلة" لأبي القاسم خلف بن عبد الملك الشهير بـ" ابن بشكوال" المتوفى سنة 578هـ، نلحظ الظاهرة نفسها، فأغلبية المترجم لهم رحلوا إلى المشرق، وكثير من المشارقة زاروا الأندلس، وقد ألحقهم ابن بشكوال بقائمته التي أطلق عليها اسم "الغرباء"!!
وفي "التكملة" لابن الأبار، وفي "وفيات الأعيان" لابن خلكان، و"فوات الوفيات" للصفدي، وفي "جذوة المقتبس" للحميدي، وفي غيرها من المصادر، نستطيع التأكد من هذه الظاهرة على نحو واضح.
ويذكر "ناصر خسرو" أنه رأى سنة 441هـ 1049م، وهو بمصر، بعثة للبحث عن الآثار الفرعونية (جماعات من المطالبين)، قادته من الشام والمغرب.
كما أن المشاهير كانوا يتبوأون مركزهم الثقافي على امتداد العالم الإسلامي كله، و"ناصر خسرو" يذكر لنا أن أفاضل الشام والمغرب والعراق يقرون بأن "أبا العلاء المعري" أديب عصرهم بلا منازع.
وحين يورد لنا "المقري التلمساني" حياة الأزدي الحميدي صاحب "جذوة المقتبس" المذكور آنفًا، يخيل إلينا أننا أمام مواطن عالمي منوع غريب؛ فقد عاش وطلب العلم في كل من الأندلس ومصر ودمشق ومكة المكرمة وواسط وبغداد، وغيرها!!