الوسطى، ولم تصل إلينا سوى حالات نادرة، ويعتبر سن السادسة عشرة كبداية لدراسة العلوم في المساجد (54) أي في المرحلة العالية من التعليم.
لكن يبدو أن طالب العلم "لم يكن مقيداً بعدد خاص من السنين أو عدد معين من الكتب يتعين عليه قراءتها فكان له أن يترك الدراسة متى شاء، ولكن يغلب على الظن أن الطالب يحتاج إلى اثنتي عشرة سنة كي يتمم منهج الدراسة بالمسجد ... بيد أن كثيراً من الطلبة قد شجعهم على طول الإقامة بالمسجد , والانقطاع لطلب العلم ما كان يدر عليهم من العطاء , ويجري عليهم من الأرزاق" (55).
أما لغة التدريس التي كان يستخدمها العلماء في المسجد، فلا شك في أن اللغة الأساسية هي اللغة العربية لغة القرآن الكريم، إلا أنه بعد الفتوحات الإسلامية دخل الكثير من الناس في الإسلام، وهم من شعوب مختلفة منهم الفارسي والرومي والزنجي ... الخ، مما حتم على الفقيه أو المحدث اتباع شتى الوسائل لإيصال المعارف لأصحابها , وخاصة إذا كانت أداتها اللغة، فهذا "موسى بن سيار الأسواري كان من أعاجيب الدنيا، كانت فصاحته بالفارسية في وزن فصاحته بالعربية، وكان يجلس في مجلسه المشهور به فيقعد العرب عن يمينه والفرس عن يساره، فيقرأ الآية من كتاب الله ويفسرها للعرب بالعربية، ثم يحول وجهه إلى الفرس فيفسرها بالفارسية فلا يدري بأي لسان هو أبين" (56).
ولقد اهتم المربون المسلمون بمجالس الدرس في المساجد فوضعوا لها آداباً وأخلاقيات، وأصولاً ينبغي أن يتبعها العالم والمتعلم، مما يخلق أجواء نقية نظيفة تسودها العلاقات الإنسانية، والقائمة على بناء جسور الثقة والمحبة بين قطبي العملية التعليمية والتعلمية.
أما مصادر النفقات على المساجد والجوامع فقد تعددت، فالأوقاف قامت بدور كبير من أجل تدعيمها , وتمكينها من أداء رسالتها، ويمكن القول أن "قوة الشعور الديني أدت إلى ازدهار الأوقاف وانتشارها، كما أن ازدهار هذه الأوقاف أدى بدوره إلى تقوية الشعور الديني، واستمرار تدفق المشاعر الدينية عن طريق المؤسسات الدينية، ولقد تعددت الأمور الموقوفة من بلدان وضياع وأملاك وحوانيت، وتعدد المنتفعون من أئمة وخطباء وفقهاء ومدرسين وعلماء وطلبة ومؤدبين وقوام وفقراء" (57).
ولعبت الصدقات العامة والخاصة دورها إن كان لجهة ما يقدمه الخلفاء أو ما كان يعطى في مختلف المناسبات والمواسم، أو ما يعطى من فروض الزكاة.
أما الشيعة الأمامية "فقد تمتعوا بحرية نسبية في تعليم علومهم بمساجد عرفت بالعتبات الشريفة والمشاهد الخاصة بهم؛ لأن فيها مراقد أئمتهم , وأخذت أهمية المساجد المذكورة تزداد شيئاً فشيئاً خلال القرنين الرابع والخامس للهجرة، ويعتقد الإمامية أن السكن والتدريس في المراقد المذكورة من الأمور المستحبة دينياً.
ويروي المفيد أن أحدهم قال: حدثنا محمد بن معقل قال: حدثنا أبي عبد الله بن جعفر الحميري عند قبر الحسين في الحائر سنة ثمان وتسعين ومائتين" (58).
ومن أهم المشاهد الشيعية: مشهد علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) في النجف، ومشهد الإمامين الكاظم والجواد ببغداد (رضي الله عنهما)، ومشهد الحاير أو مشهد