وكان عهد الوليد بن عبد الملك عهد دخول العمارة الإسلامية ميدان الزخرفة، والتأنق في البناء، وذلك بعد الاحتكاك بالحضارات الأخرى والتأثر بها، والأخذ بزينة الدنيا، التي لم يحرمها الإسلام، ولكنهم مع أخذهم بزينة الدنيا، لم ينسوا الاهتمام بأمور دينهم والعمل لآخرتهم.
عصر الخلافة العباسية:
وفي عهد العباسيين زاد الاتصال بالحضارات المختلفة، فزاد الاهتمام بالعمارة وزخرفتها، واشتد اهتمامهم ببناء القصور والمدن.
مدينة بغداد: فقد بنى الخليفة المنصور مدينة بغداد لتصير عاصمة العباسيين
الجديدة، وفي بناء هذه المدينة برزت الدراسات الجيدة لاختيار الموقع والتخطيط قبل التنفيذ، فقد طلب الخليفة أبو جعفر المنصور رسم تخطيط لها على الأرض قبل إنشائها، وتخطيط مدينة بغداد دائري، ولها أربعة مداخل رئيسية محورية، واستمر بناء هذه المدينة من عام (145 هـ) حتى عام (147هـ) وكان للمدينة سوران خارجيان؛ الداخلي منهما أسمك وأعلى، وكان يحيط بسور المدينة من الخارج خندق عرضه ستة أمتار.
وكان يقع في قلب المدينة قصر المنصور، وكان يعرف باسم قصر الذهب، وهو قصر فخم لم يشهد المسلمون مثله من قبل، وبجوار القصر يوجد المسجد، وهو ملاصق لحائط القصر الشمالي الشرقي، وحول القصر توجد قصور الأمراء والمباني الحكومية، وفي المساحات التي بين المداخل الأربعة الرئيسية كانت توجد المناطق السكنية، وفي كل قسم شوارع رئيسية يتراوح عددها بين ثمانية واثني عشر شارعًا يتجه نحو وسط المدينة، وكان للمدينة ثمانية أبواب حديدية.
مدينة سامراء: وكانت تسمى (سُرَّ مَنْ رَأَى)، وكان مكانها قبل بنائها دير
(مكان عبادة للنصارى) في الصحراء اشتراه الخليفة المعتصم من أصحابه وبناها مكانه، وكانت هذه الأرض تقع على الضفة اليمنى من نهر دجلة، وعلى بعد مائة وثلاثين كيلو مترًا، وأحضر المعتصم المهندسين فاختاروا له مواقع القصور، وبنى لكل واحد من أصحابه قصرًا، وتم تخطيط شوارع المدينة كأحسن ما تكون الشوارع من ناحية الاتساع والطول، وأحضر من كل بلد من يجيد فن العمارة والزراعة وهندسة البناء والصناعة.
وقد استخدم المهندسون والعمال ما بين أيديهم من المواد الخام، فمن الطين صنعوا اللبن والآجر، وقاموا بتزيين الجدران بالجِصِّ وغيره من موَاد البناء، وتفننوا في زخرفتها، فلهذه المدينة أهمية في فن العمارة الإسلامية، فقد تقدم الفن المعماري فيها خطوات واسعة متلاحقة، وأصبح تشييد المدن وتخطيطها أبعد ما يكون عن الاقتصاد والبساطة، وتجلى الإسراف والترف في بنائها بأوسع معانيه، وهذا ينافي روح الإسلام ومبادئه السامية الداعية إلى البعد عن الإسراف والتحذير منه.
وبنى بهذه المدينة مسجد سامراء الجامع، ويعد هذا المسجد أكبر المساجد القديمة في العالم الإسلامي، فقد بلغت مساحته بدون الزيادات مرة ونصف قدر مساحة المسجد الطولوني بمصر الإسلامية، وقد بدأ الخليفة المعتصم في بنائه وأتم بناءه الخليفة
المتوكل، وهو مبني على مساحة مستطيلة الشكل، بلغ طول ضلعها الأكبر