وفي مكة كان زعيم مدرسة الفقه والفتوى الصحابي الجليل عبد الله بن عباس، الذي دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يفقهه الله في الدين ويعلمه التأويل، ومن تلاميذ هذه المدرسة مجاهد وعكرمة مولى ابن عباس وعطاء وطاووس وغيرهم.
وفي الكوفة برز من الصحابة عبد الله بن مسعود وعلي بن أبي طالب وأبو موسى الأشعري وعمار بن ياسر وغيرهم -رضي الله عنهم-، ومن تلاميذ هؤلاء الصحابة:
علقمة بن قيس النخعي (ت 62 هـ)، والأسود بن يزيد النخعي (ت 75 هـ)، وشريح بن الحارث القاضي (ت 82 هـ).
وفي البصرة، عاش الصحابي أنس بن مالك مدة من الزمن، وتتلمذ فيها على يده عدد من التابعين مثل الحسن البصري ومحمد بن سيرين مولى أنس بن مالك وغيرهما. وفي الشام، كان أبو إدريس الخولاني (ت80 هـ)، ومن تلاميذه عمر بن عبد العزيز ورجاء بن حيوة وغيرهما.
وأما مصر، فتمتعت بوجود صحابيين جليلين هما عمرو بن العاص، وعقبة بن عامر، وعلى أيديهما تخرج يزيد بن حبيب (ت 128 هـ)، وهو أول من تكلم عن الحلال والحرام في مصر بصورة علمية، كذلك ظهر في مصر الفقيه الجليل الليث بن سعد، الذي قيل عنه: كان الليث أفقه من مالك لولا أن أصحابه ضيعوه. يعنى لم يحفظوا فقهه وينشروه كما فعل تلاميذ الأئمة الآخرين.
المذاهب الفقهية الأربعة:
المذهب الحنفي: وهذا المذهب، يعد امتدادًا لمدرسة الصحابي عبد الله بن مسعود في الكوفة، وإمام ذلك المذهب الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت (80 - 150 هـ).
ومن أشهر تلاميذ أبي حنيفة: أبو يوسف، ومحمد بن الحسن الشيباني (ت 189 هـ) الذي دَوَّن فقه أستاذه أبي حنيفة في كتب مثل: المبسوط والزيادات والجامع الصغير والكبير.
المذهب المالكي: وهو امتداد لمدرسة المدينة، وينسب إلى الفقيه المدني مالك بن أنس (ت 179 هـ)، وللإمام مالك كتاب الموطأ وهو كتاب حديث مرتب على أبواب الفقه. ومن أشهر تلاميذ المذهب المالكي: عبد الرحمن بن القاسم المصري،
وأسد بن الفرات الذي نشأ في أفريقية، ثم رحل إلى المدينة، وسمع موطأ مالك، وتفقَّه على يد عبد الرحمن بن القاسم في مصر، ونقل مسائل مالك وسجلها في كتاب باسم الأسدية.
المذهب الشافعي: ومؤسسه هو الإمام محمد بن إدريس الشافعي (150ـ 204هـ) أحد أئمة الفقه الأعلام، ورحل إلى العراق، وكوَّن هناك مذهبه القديم، وألف في ذلك كتاب الحجة، وأتى الشافعي إلى مصر مرتين، وفي المرة الثانية سنة (199هـ) استقر في مصر، وظل بها حتى مات، وعدَّل في مذهبه تعديلات كثيرة، فأنشأ لنفسه مذهبه الجديد، وكان يقول: إذا صحَّ الحديث فهو مذهبي.
وألف الإمام الشافعي في مصر كتبًا رائعة في الفقه وغيره، منها كتاب الأم، وهو موسوعة فقهيَّة قيمة، ووضع أصول علم جديد، هو علم أصول الفقه، وألف فيه كتاب الرسالة، ومن أشهر تلاميذه: أبو ثور الربيع المرادي (ت 270 هـ)، ويوسف بن