وظهر أيضًا علم الجرح والتعديل أو علم الرجال، والذي يهتم بدراسة شخصيات الرواة من حيث الثقة والأمانة والكذب والتدليس، وبالجملة من حيث قبول حديث الراوي أو عدم قبوله، وهل هو متروك أم يؤخذ عنه الحديث، وممن كتبوا في هذا العلم الإمام البخاري، فكتب كتاب التاريخ، وكان شيخه على بن محمد المديني قد سبقه في كتاب (علل الرواة)، و (الضعفاء) و (الكبير) للإمام العقيلي، و (تهذيب الكمال) للحافظ المزي، و (ميزان الاعتدال) للذهبي، و (لسان الميزان)، و (تهذيب التهذيب)، و (تقريب التهذيب) للحافظ ابن حجر، وغير ذلك.
وبعد هذه المرحلة تأتي مرحلة الشرح والاختصار لتلك الكتب، فألف العلماء شروحًا لموطأ الإمام مالك كشرح الزرقاني على الموطأ، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر، وشرح النووي لصحيح مسلم للنووي، وباقي الكتب الستة، وشرحوا غيرها من كتب الأحاديث الصحيحة، وكان ذلك على يد علماء أفاضل عكفوا على دراسته وكتابته وشرحه.
وقد اهتم العلماء في كل العصور بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عصرنا الحالي. والسنة هي المصدر الثاني للتشريع الإسلامي، الذي تُستمد منه أسس وقواعد الحضارة الإسلامية في كل المجالات.
- علم الفقه:
وهو كما عرفه بعض العلماء الطريق لمعرفة الأحكام الشرعية العملية من خلال الأدلة التفصيلية؛ كمعرفة ما يجب ويحرم، وما يسن وما يندب، وما يكره، من خلال الكتاب والسنة، وما يستنبط منهما.
ولقد حمل الصحابة -رضي الله عنهم- لواء الفقه بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، كل واحدٍ منهم في مجاله وفي تخصصه الذي تفوق فيه، فنبغ عبد الله بن عمر في الفقه، وكان معاذ بن جبل أعلم الصحابة بالمواريث، وأسس كل منهم ما يسمى بالمدرسة الفقهية.
وفي المدينة اشتهر عدد من الصحابة المقيمين بها بالإفتاء مثل أبي بكر وعمر
وعثمان بن عفان وعلي وزيد بن ثابت، ومن النساء عائشة وأم سلمة، وأخذ عن هؤلاء الصحابة عدد من التابعين عُرفوا في المدينة بالفقهاء السبعة، وهم:
عروة بن الزبير (ت 94 هـ) الذي أخذ الفقه عن خالته عائشة زوج النبي صلى
الله عليه وسلم، وسعيد بن المسيِّب (ت 94 هـ) وكان زوج ابنة أبي هريرة، وكان يحفظ فتاوى عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان -رضي الله عنهما-، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود (ت 98هـ) وكان ثقة فقيهًا، كثير الحديث والعلم، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث (ت 94 هـ) وكان فقيهًا كثير العبادة، وسليمان بن يسار (ت 107 هـ).
وكان خادم ميمونة بنت الحارث زوج النبي صلى الله عليه وسلم، والقاسم بن
محمد بن أبي بكر (ت 108 هـ) وكانت عمته السيدة عائشة، وكان من الفقهاء الكبار الصالحين الأتقياء، وخارجة بن زيد بن ثابت، وهو ابن الصحابي الجليل
زيد بن ثابت الذي جمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-.